الصفحة الرئيسية / نصوص / شهادات / خالد الخاني - حماة ١٩٨٢ / تاريخ النظام الإجرامي – شهادة للفنان خالد الخاني 7 / 8

تاريخ النظام الإجرامي – شهادة للفنان خالد الخاني 7 / 8

خالد الخاني
خالد الخاني

لا اعرف ماذا اصابني اليوم…؟ عشت لاروي لكم طفولتي بمجزرة حماه 1982

هناك في الموضئ تبادل الجميع همسا الاخبار،  ويالها من اخبار, كانت مليئة بالقهر والسحل والقتل والرصاص والدمار والاغتصاب والاعتقال واغرب ما فيها حليب الاطفال.

روت احداهن عن ام حسين التي نضب حليبها ولم تعد قادرة على الإرضاع والذي لاذنب له الا انه ولد في تلك المدينة في ذلك الزمان، بعد نضوب حليبها لجأت ام حسين الى الماء والسكر لارضاع طفلها الجائع الباكي ليلا نهار,

حاولت ذلك لعدة ايام حتى بدأ التعب والنحل على الطفل الباكي، وبكاؤه لايتوقف ابدا، لم يتوقف عن نداءاته لامه من اجل ذلك ولا ادري كيف كانت تقاوم الامها وخوفها من القصف والرصاص، يبدو انها خاضت معركة بين نفسها وبين حليب حسين او انها كانت تعتقد باقتراب نهاية المجزرة، حتى تطعم ابنها المسكين وربما اعتقدت انها مازالت تسيطر على سلامته واخيرا انتصرت امومتها على كل شيء بلحظة يقين تام.

وغادرت البيت مسرعة والرصاص والقصف يتصاعد ويهبط وهذا ماكان دائما طيلة المجزرة التاريخية

ان الام لم تعد تسمع الا صوت طفلها الباكي والذي كان ممزوج باصوات المكان ولكن جميع الاصوات لم تصل الى قلبها سوى صوته المستغيث، لم اسمع ذلك الصوت بذاته ولكن سمعت موسيقاه كثيرا هناك…..

خرجت من منزلها وهي تصرخ وتنادي اهل الحي او على الاقل من بقي منهم حيا ..وهناك تحت هذا الدمار جف حليب الاطفال في الصدور، ولم تجد لحسين الا دموعها وعلمت ذلك بعد استجابة البعض الحي هناك، ومنهم من روى

تنقلت الام بين البيوت المهدمة ومنها الى الاحياء المجاورة وقصدت اقرب صيدلية وتخيلو مشاعرنا خلال طريقنا الى أي صيدلية، وروحنا كبشر وبشكل دائم تسبقنا الى هناك، وعقلنا يختار مانريد قبل وصولنا وغالبا مانفترض مسبقا اننا حصلنا على مانريد من الصيدلية، ربما مرة على الاقل وصلنا الى الصيدلية ولم نجد مانطلبه وياله من احباط

وصلت ام حسين الى المكان ولكنها لم تجد الصيدلية وبالنتيجة لم تجد حليب حسين, هذا احباط بائس بل كان موت مرير.

وتابعت البحث عن صيدلية اخرى واخرى، تابعت الصراخ ولا من مجيب حليب الاطفال والدواء ركبت سيارات الجيش ولا ندري اين جهة الرحيل

لم تستمع الام الى اعلان حميدو عندما اخبرنا ان التتر لايترددون بفعل شيء ويسرقون حتى رائحة الاجساد الحية وينشرون رائحتهم الكريهة في كل مكان

ناضلت الام واسرفت بالنضال وربما وعدت طفلها انها ستأتيه بما يريد، هي التي وعدت الله ان تفعل ذلك عبر حياتها وقبل ان يولد حسين…

وهذا حال جميع الامهات، لكن قلبها اعادها اليه مسرعة وباكية ومحبطة منكسرة خائفة.

واكثر من كل ذلك انها مشتاقة لحسين الباكي، في رحلة الذهاب والعودة تضاعف المها برؤية الاجساد مرمية وممزقة مفجرة مقطعة …..

عادت بشوقها الكبير، لم يخطر ببال الام الهروب خارج دائرة القتل، وهي التي اقتربت من اطراف المدينة ياله من جنون… بلحظة دخولها الى منزلها النصف مهدم تزايد انتصار الرصاص على صوت طفلها وابقترابها اكثرمن حجرته كان انتصار الرصاص كبير، الى ان ادركت صمته العنيف، امام تزايد الرصاص لا ادري ان كان صمته يشبه صمت حميدو ايضا

لقد ارادوها حربا ضد الاطفال,

ابتسم الطفل الباكي وترك المدينة المستباحة لنا

قرأت الفاتحة على روحه الطاهرة ولم تتوقف الارواح على الدخول تلك القراءة فقد كانت تتزايد بكل لحظة واخرى, لا استطيع ان احصر على من قرأت هناك..

ولم يتركو شيئا من عبثهم اللانساني, فقد اسكتم ذلك الطفل حينها الى النهاية، وهذا مايعتقدونه دائما, والله انهم يخافون من حسين اكثر ممايخافهم..

وكنوع من الصدى اليوم وفي بداية ثورتنا المنتصرة تعالت اصوات اطفالنا بدرعا، كان بيان الحليب لاطفال درعا عندها حاصرتني هذه الذاكرة المؤلمة, وبقيت لايام اتوه وانجو قليلا من هذا العذاب, ولكنني اعرف هؤلاء القتلة عرف اليقين.

اخذت هذه الذاكرة تطرق على جدران رأسي وبيان الحليب يخنقني لاوقع عليه, ودام هذا الصراع والالم ومعرفتي المسبقة بهولاء القتلة وهم لايستحقون الرجاء.

واكتشفت عندها بصياغة البيان اعتراف بهم كبشر, وانا لم ولن اعترف بهم يوما, ترددت وبكيت وكيف بي اوقع على بيان يخاطبهم كنظام, وانا لا اعترف بهم ابد واريد اسقاطهم منذ ذلك التاريخ موت حماه وابي و حميدو وحسين..

كانت ذاكرة حسين بحماه تخنقني من جهة وكان يقيني ومعرفتي يالتتر يضاعف اختناقي وانتصرت التجربة في رأسي ولم اوقع

ولم استنهض انسانية هؤلاء القتلة الغير انسانيين , وكيف بي ان اوقع بعد توقيعي على رحيلهم قبل ذلك, وربما وقعت وانا لا ادري, كانت معرفتي بهؤلاء المجرمين بمكانها ولم يستجيبو لاي نداءات واقسم ان هذا النظام بالمسمى فقط لايسحق المخاطبة اوالباسه ثوب الانسانية, ولقد اثبت ذلك بالثمانييات وباصراره الاكيد, وربما قبل ذلك بان الانسانية لم تمسهم يوما وثوبها اكبر من حجمهم الجرثومي

اعذروني واصفحوا عني يا اطفال درعا

قاطعت احدى النساء كل هذا ببكاؤها المتعالي، حيث كانت تسكن منطقة وسط مدينة حماه وهناك عمارات وليس بيوتا عربية, دخل الجنود باقتحامهم العنيف لجميع الشقق ودخلو شقتها وفتشوا وكسروا ودمروا يبحثون كما يزعمون على السلاح, لم يجدوا سلاحا ووقتها لن يجدو ذلك، لاننا نعلم بعدم وجوده، لقد بثوا كذبهم وعمموه وبعدها صدقوه, واثناء تفتيشهم لبيتها وقبل هروبها الى شمال المدينة لنلتقي في الموضأ، سمع الجنود صراخ طفل صغير في الشقة المجاورة ركض الجنود الباسلين اليه مباشرة, وهنا اعتقدت كما يعتقد جميع البشر، انهم استجابوا لصراخه كنوع من الانسانية التي لم تصبهم يوما, كسر الجنود الباب وبدأوا يكسرون كل مافي الشقة, ولم يتوقف صراخ الطفل عن البكاء, يرتفع صوت الام وهي تترجى وهي تصرخ وتعالى صوتها وصوتهم بعدها سكت الجميع وبقي صوت الام تصرخ وتصرخ, هجمت الام عليهم…. هرب الجنود منها وكسرت بطشهم وموجة من الصراخ والبكاء والام تركض الى اسفل المبنى, لم يفهم الجيران ماذا يحصل…!!!! وبعد نصف ساعة من السكون المخيف عادت الام وهي تحمل ماتبقى من طفلها وعلمت الراوية ان الجنود كانو يطلبون من الام اسكات الطفل وحاولت ذلك لم يستجيب الطفل الباكي لتهدئة امه, ربما علم بوجودهم المقيت, كان يصرخ في وجههم ويتحدى اجرامهم ببرائته وطهره او قاومهم على طريقته ولكن الجنود الاوغاد لايفهمون لغة الاطفال ابدا..

قام احد الجنود باتنزاع الطفل من امه ورماه بكل اصرار من النافذة,

طار الطفل وبعدها اسكت,لا ادري كيف تعاملت الام مع هذا المنطق الاجرامي الغير متوقع, ولم يخطر ببال أي شخص في عالمنا ان يتصرف بهذه الطريقة حاولت الراوية مساعدة الام المفجوعة ولكن دون جوى لاتريد مغادرة المكان وعلمنا بعد المجزرة انها بقيت هناك لتلحق طفلها الى السماء, كيف استطاع ذلك المجرم ان يرمي بطفل بهذه الطريقة…؟ كيف..؟ كأن ترمي وردة من النافذة او ترمي عصفورا وانت تعلم انه يطير لم يكون ذلك الجندي غبيا بل كان مجرما بامتياز, يقتدي بقادته المجرمين,

واقسم ان هذا غيض من فيض حصل في حماه 1982

عن دحنون

دحنون
منصة تشاركية تعنى بالكتابة والفنون البصرية والناس.