الصفحة الرئيسية / صحف وترجمات / هل سنموت الآن يا بابا؟

هل سنموت الآن يا بابا؟

عارف حمزة

 

لم يكن بوسعي أن أترك طفليّ وحيدين في المطبخ، كي أستجيب بسرعة للخبطات القويّة على باب البناء الذي نسكن فيه. كان عليّ أن أتابع عملي في التخفيف من رعبهما المتزايد، وأن أشعر بأنهما لن يلحقا بي من الهلع، إنْ تركتهما وحيدين هناك ونزلت.

الذي يضرب الباب هكذا بعنف لا يعلم أن طفلي الصغير، الذي في الرابعة من عمره، قد ذهب مرتين إلى الحّمام في مدة أقلّ من نصف ساعة كي يتبول بغزارة وهو يرتجف. وبعد المرتين بربع ساعة كان عليه أن يتبرز برازاً محمرّ اللون قليلاً. لم أنتبه بصراحة للّون الغريب، وأنا أغسل مؤخرته، بل هو من سألني، عندما تدلّى رأسه بين ركبتيه: هذا دم يا بابا؟.

ولا يعرف كذلك بأن الكبير، الذي في السابعة من عمره، كان يضع إصبعيه بقوّة في أذنيه، كي يمنع صوت الرصاص والقذائف والقنابل…، من أن يصل إلى أمعائه ويمزّقها هناك.

ولكن في النهاية نزلت. وبمجرّد أن فتحتُ الباب صرخ الضابط في وجهي أن أضع الجنديّ في شقتي المستأجرة في الطابق الأول، والتي يتم الصعود إليها بقطع عشرين درجة من الأدراج، وأن أقوم بإسعافه!!. ووقتها فقط نظرت إلى الأسفل كي أجد جندياً تنزف ساقه بغزارة، بعد إصابتها من قنّاص. «ولكنني لست طبيباً أو ممرضاً». قلت له. لكن الضابط لم يردّ عليّ، بل استدار بعد أن بصق على الأرض. وكان من الواضح أن بصقته مسّت أذن الجنديّ قبل أن تستقرّ في بركة دمه!. لكن الجنديّ هو الذي تكلّم وهو يئن: «منشان ألله اسعفني».

أقفلت الباب بوجه الجنديّ الممدّد على عتبة البناء، بعد أن أفهمته بأن إسعافه يجب أن يكون إلى مشفى يتولى الأطباء فيه العناية به، وبعد أن صرخت نحو الضابط، وكلماتي يقطّعها الرصاص المنهمر من الجهتين، بأنّ عليهم أن يسعفوه إلى المشفى كي لا يموت بسبب النزف الغزير، ثم صعدت من جديد إلى ملجئنا في المطبخ.

لأول مرّة لم يفزعني منظر شخص جريح يئنّ وينزف أمامي، والدم الحار يتفجّر من داخل الفتحة الكبيرة في اللحم الممزّق، والقماش الممزّق، بقدر ما أفزعني هدوئي الكبير، وأنا أعود أدراجي إلى طفليّ البريئين في المطبخ. يا ألله. لم أسعف شخصاً مصاباً إصابة مميتة!.

لم أكن أشعر بالفرح أو الأسى، بل فقط باللامبالاة!!.

قال لي جاري النازح، بعد يومين من انتهاء الاشتباك الذي استمرّ من الساعة التاسعة والنصف صباحاً حتى الواحدة والنصف ظهراً من يوم الأحد 2013/5/12، «هذا الجندي يستحقّ مصيره، مهما كان، طالما ظلّ متحالفاً مع الديكتاتور والسفّاح الذي يقتل شعبه بوحشيّة». بينما قال جاري الأرمنيّ للجنديّ المصاب، وهو يسحبه من تحت إبطيه ويسحله من أمام بناء بيتي حتى سيارته في الشارع الجانبيّ والآمن: «أنت بطل. عليك أن تظلّ شجاعاً وبطلاً». «وهذا ما ساهم في إنقاذ حياة الجنديّ، وليس أكياس الدمّ الثلاثة». كما أخبرني.

في المطبخ كان ولداي يرتعشان وهما يضعان أصابعهما في أذانهما. لذلك بات عليّ أن أقرّر سريعاً النزوح من البيت عند أي توقف بسيط لإطلاق النار.

كنّا نائمين عندما انفجرت السيارة المفخخة على بعد ألف وخمسمائة متر من البناء الذي نسكن فيه، على الجانب الآخر من جسر العزيزيّة. كانوا قد اكتشفوا وجود السيارة المفخخة. ولأن سيارتَي الأمن، المتواجدتين في المكان، لم يستطع أفرادها فك المتفجرات فيها، وقال الكثير من الناس بأن الأمن هو مَن قام بتفخيخها أصلاً كونها عائدة لإحدى القيادات «العربيّة» الحزبيّة التي تسكن في المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد، كي تنجح وتستمرّ، ولو لمرة واحدة، الفتنة التي يريد النظام إشعالها، منذ بداية الثورة، بين العرب والأكراد، فانتظروا انفجارها، وانفجرت بدويّ هائل، دون أن يكون فيها أحد، في الساعة التاسعة والنصف صباحاً، دون أن يُخطروا سكان المنطقة بذلك، الذين لم يعرفوا بكل تفاصيل الساعة والنصف ساعة من انتظار الأمن للسيارة كي تنفجر وحدها، فقفزوا مثلنا في أسرّتهم، أو أشغالهم، دون أن يعرفوا السبب.

أصبحت الساعة العاشرة والربع ومازلنا في المطبخ نحتمي من الرصاص الطائر في كلّ الأنحاء. «الدوشكا»، عندما تضرب قريباً، بالنسبة للمدنييّن العزّل مثلنا تشبه ضربات صوت المدفعيّة. صرخات الجنود في الأسفل، وشتائمهم المتطايرة في كلّ الأنحاء. لماذا كانوا يشتمون بتلك الألفاظ البشعة وبصوتٍ عالٍ في منطقة مكتظّة بالسكان؟. وقبل أن يصعد القنّاصة البناء المقابل لنا كسروا الباب الحديديّ له. ثم ضربوا الناس في الشقق لأنّ «الكلاب» لم يفتحوا لهم الباب رغم طرقهم العنيف عليه. البناء الذي كان ملبّساً بالحجر الأبيض صار ملطخاً ببراز البارود.

ضربات جديدة على باب البناء، الذي نسكن فيه، وصوت طفل يصرخ. ما جعلني أقرّر النزول مباشرة لفتح الباب هو صوت ذلك الطفل الذي يصرخ ويستنجد.

كان إياد، الطالب في الصف الثامن، بلباسه المدرسيّ أمام الباب. انفجرت السيارة وهو في الطريق إلى مدرسته لتقديم امتحان اللغة العربيّة. وظلّ يزحف على طول جسر العزيزيّة، والرصاص ينفجر فوقه وحوله، حتى وصل سالماً إلى باب بيتي. فتحت له الباب، ودخل وهو يبكي ويرتجف. بقيتُ للحظات أتأمل البقعة الكبيرة من الدماء أمام باب البيت. وعندما هممت بإقفال الباب والصعود معه، سمعت الضابط يصرخ باتجاهي: «عساكرنا ما بتسعفوهم . بس هدول الكلاب بتفتحولهم الباب»!!!. فبصقت أنا أيضاً بعد أن أغلقت الباب خلفي، ولكن ليس على الجندي المصاب، وليس على دمه، كما فعل الضابط المسؤول عنه. بصقت على الغباء المطلق الذي كان يلمع في رأسه، وهو يصف طفلاً صغيراً بريئاً بالكلب والعدو والخائن.

بعد أن غسل إياد وجهه، وشرب القليل من الماء، أخبرني بأن عناصر الأمن أطلقوا الرصاص باتجاه قوات حماية الشعب، Y P G، الكرديّة المتواجدة في حاجز «المفتي»، بمجرد أن انفجرت السيارة المفخخة، فانفجر الاشتباك الطويل بين قوات النظام وقوات حماية الشعب لأول مرّة في مدينة الحسكة. «ربما الهيستريا التي تنتاب جنودنا فيضربون الرصاص بلا وعي، بغزارة وفي كلّ اتجاه، كلّما شعروا بالخطر، هي من ارتكبت هذا الخطأ». قلت في نفسي، بينما الآخرون قالوا بأن إطلاق النار على الحاجز كان مفتعلاً لإشعال فتيل الفتنة الغليظ.

بوجود إياد بيننا تغيرت الحياة في المطبخ. طلب ابني الكبير رسومه ليريها له. بينما الصغير تذكَّر أخيراً بأنه لم يشرب كوب حليبه في الصباح. وتذكرنا جميعاً بأن أمهما ستكون ماتت من الرعب وهي تسمع أصوات الاشتباكات من مدرستها.

قلنا لأهل إياد، الذين يسكنون في الجهة المقابلة من الاشتباك، بأن إياد سيبقى معنا، سواء إذا بقينا في المنزل، أو إذا قررنا النزوح إلى بيت العائلة في شارع القامشلي.

استطعت الرد على ثلاث مكالمات على الهاتف الثابت الموجود في الصالون، بينما خدمة الهاتف المحمول، والإنترنت، مقطوعة عندنا منذ خمسين يوماً، من بينها مكالمة من زوجتي التي طلبت منها الذهاب إلى بيت العائلة، وعدم المخاطرة بالمــجـيء إلى هــنا، بيـنـمـا المـكـالـمات الأخرى لم أستطع الردّ عليها بسبب ازدياد هلع الأطفال في المطبخ بعد وصول البي إم بي وتعزيزات أخرى من جيش النظام.

تأكدت فكرة الناس أكثر بأن عناصر هذا الجيش الوطني لا حول ولا قوة لهم على الأرض؛ فالقناصة الستة الذين اعتلوا ثلاثة أبنية مختلفة تمّ قتلهم جميعاً، بينما جرح العشرات، وتم إعطاب كافة السيارات العسكريّة الناقلة للجنود. اللافت للانتباه أن جميع جرحى قوات النظام كانوا مصابين في الساق أو اليد، إذ لا رصاص تمّ إطلاقه باتجاه الرأس أو الصدر، أو لا رصاص باتجاه الأجزاء القاتلة من الجسد. وكأن قوات حماية الشعب (الكرديّة) كانت تتقصّد عدم قتل عناصر الجيش طالما هم بعيدون عنهم، ولكنهم اضطروا لقتل القناصين الستة كي لا يتعرضوا هم أنفسهم للخطر. ثم عرف الناس أن قناصي قوات حماية الشعب كانوا ثلاثة قناصين، من بينهم فتاتين. بينما قُتلت على الجانب الآخر طفلة في الثالثة من عمرها، وأصيب أحد عناصر قوات حماية الشعب.

عندما ذهبت لجلب رسوم ابني من غرفته، اقتنصت الفرصة وأحضرت لباساً للخروج لهما. ومع ازدياد وتيرة الاشتباك صار عندي ثلاثة أطفال، بستة أصابع في آذانهم، يرتعدون في المطبخ. ثم قررت إخراجهم من المكان، والنزوح، بمجرد أن طلب مني طفلي، الذي في السابعة من عمره، أن أضع إصبعيّ في أذنيه لأنه يريد أن يضغط بيديه على بطنه التي صارت تؤلمه جداً.

من بين كل أغراض البيت حملت اللابتوب الخاص بي، لا أدري لحدّ الآن كيف خطرت لي هذه الفكرة السخيفة، وحملت الصغير «أيند» إلى صدري، وأمسكت بيدي إياد وحمزة. ثم نزلنا الأدراج في الساعة الحادية عشرة إلا ربعاً. عندما فتحت الباب قال لي حمزة: «هل سنموت الآن يا بابا؟؟». فدمعت عيناي. وخرجنا. ومشيت وأنا لا أسمع صوت الرصاص الكثيف، ولم ألتفت خلفي، ولا أنزلت رأسي خوفاً، كما ذكّرني شباب الحارة، الذين كانوا موجودين على أطراف الحارة، بذلك. لأنني كنت أمشي على سحابة ذلك السؤال المخيف: هل سنموت الآن يا بابا؟؟.

في حديقة «نيسان» جلسنا نأكل الشوكولاته ونحن نشاهد الرصاص يضرب أعلى الأشجار في الحديقة فتهطل أوراقها على رؤوسنا. كان هناك غراب كبير مقتول على الأرض. بينما نحن نجونا.

 

 

المقال نشر من قبل في العدد الجديد 69 من مجلة ” الدوحة ” القطرية الشهرية.

عنّا دحنون

دحنون
منصة تشاركية تعنى بالكتابة والفنون البصرية والناس.