الصفحة الرئيسية / تجريب / الموت ينفرد بنا كما انفرد مارادونا بالمرمى سنة ١٩٨٦

الموت ينفرد بنا كما انفرد مارادونا بالمرمى سنة ١٩٨٦

حمد عبود
دحنون
 

إلى حبيبتي… قبل القنص وبعده

لم يقل لكِ أحد بأنكِ أتيتِ في حرب لم ينضج موتها بعد، تختال بيننا الأحداث، تجيء وتذهب محمَّلةً على أكتاف القلب، لا بدَّ وأنك نسيتِ أن تُلقِّني القهوة واجباتها وأنتِ تفورين أمام شاشة الـ«فيسبوك» والمجزرة تنعي أختها.

كان يجب أن يرنَّ هاتفك في ليلة ما ليخبرك أحدهم على الطرف الآخر بأن قناصاً جديداً تمركز عند القصر البلدي في مدينتنا ليموت حلمك بجواز سفرٍ قد تخترقه رصاصة وقد يرتجف عند حاجز. لم يقل لك أحد بأن البرد لا يقتل وأن الماء الذي لم يُسجِّل حضوره في الحارة المنكوبة؛ لا يقتل أيضاً. وكل الحزن الهجين المتكوم في علبة البريد لا يقتل، الذي يقتل هو مسافة لم يقل لها أحدٌ في صغرها: «تأدَّبي» لكي لا تتطاول، وتطاولتْ لتصبحَ فتوّة من فتوات الحياة تأخذ منا ما تريد ونحن صاغرو الرأس والعاطفة.

البلد أصبح أنثوياً أو قاب قوسين، الرجال ماتوا على عتبة البيت ينتظرون خبراً عن الذي خرج ولم يعد، أما الشباب فقد ماتوا وهم يحاولون القفز من فوق سور حربٍ ليشتروا قرصَيْ فلافل وعلبة سجائر وكازوزة. الأطفال ماتوا أيضاً لأن الخوف لا يناسب الأطفال أصلاً، قرأتُ ذلك مرة في كتاب عن التربية الحديثة، الحرب لم تكن موجودة في ذلك الكتاب… حتماً.

المراهقون ماتوا وهم يحاولون التدرُّب على رمي قصيدةٍ وإيصالها بحرفةٍ ليتلقَّفها شبَّاكٌ فتح فمه أو حقيبة فتحت عبّها أو صدر باعدت شهقةٌ بينه وبين قطن القميص. الرجال الذين كبروا خلال الحرب ماتوا لأن أحدهم – ليس الله – أحد المسؤولين الكبار اشترط على الحياة حضورها في احتياطي خدمة العلم؛ فلعب الموت لعبتَه وانفرد بنا كما فعل مارادونا بالمرمى سنة 1986.

نسيتُ أن أقول لك أيضاً إن الرجال الذين تراهنوا على إسقاط النظام ماتوا وهم يحاولون… لا ضير. أما البلد الذي لم يبقَ به رجال تحسَّس شاربَ أولاده فوقع في مأزق الرجولة الناقصة، البلد الذي لا يكترثُ لأحدٍ تركني محبوساً في الحمَّام لأكتب هذه القائمة لشعبٍ سيطلب الحساب عندما يغادر الطاولة، والتاريخ سيطلبُ نسخة أيضاً لذلك على أحدهم أن يكمل هذه الحسبة. لو أنكِ فقط لم تجيبي على هاتفكِ تلك الليلة، لشاركتك الصباح ولذهبتِ ساعتها لتستخرجي جواز السفر ولقلتُ لكِ:
أحبكِ قبل القنص وبعده.

 

 

نشر هذا النص من قبل على موقع الغاوون في العدد 55

عنّا دحنون

دحنون
منصة تشاركية تعنى بالكتابة والفنون البصرية والناس.