الصفحة الرئيسية / صحف وترجمات / سوريا… القضية المهمشة! وماذا بعد؟

سوريا… القضية المهمشة! وماذا بعد؟

اينس كابيرت. الصورة: عن صفحة الكاتبة على فيسبوك

ترجمة: أحمد المحاميد

إينس كابيرت (Ines Kappert) صحفية في صحيفة تاتس الألمانية، مهتمة بالملف السوري والرواندي وحقوق اللاجئين.
تأتي هذه المقالة ضمن ملف شهري، يحاول إلقاء الضوء على بعض القضايا التى ترى الجريدة أنها غاية في الأهمية، بينما يتم تداولها في الإعلام على أنها شيء ثانوي.
تتحدث إينس في هذه المقالة بقالب ساخر منتقدة عدم الجدية في تناول المأساة السورية مفككة بعض الأفكار الجاهزة لدى القارئ الألماني.
وتكشف مدى اختلال المنظومة الموضوعية في التغطية الإعلامية، واعتلال المنظومة الأخلاقية لقيمة الحدث، خاصة فيما يتعلق بتسليط الضوء على داعش والتطرف فقط، مع ترك التطرف الأكبر والمجزرة المستمرة منذ سنوات بحق الشعب السوري من قبل النظام، وتجاهلها له وكأنها شيء ثانوي.
المترجم

ما عليك إلا أن تدقق بعناية، فحتى هذه الصحيفة الصغيرة لم تجد في خبر الموت الجماعي في سوريا ما يستحق أن يكون على الصفحة الأولى، فلم يتجاوز ذكر المجزرة عدد أصابع اليد. مع أنها، أي صحيفة “تاتس”، ركزت اهتمامها على هذا البلد الحزين بشكل كبير كما لم تفعل أي صحيفة ألمانية أخرى.

ولكن كيف حدث ذلك؟
كيف يمكن لأحدهم أن يجد في تدمير حياة 22 مليون إنسان موضوعًا ثانويًا؟
مع أننا رأينا صور الدمار الكبير في كلٍ من حمص وحلب حيث لم يخل المشهد من تفسيرات وتعليقات مؤثرة، ورغم مشاهدته مرات عديدة “موثقًا” حتى في محطات إعلامية حكومية مثل ZDF وARD لكن، هل غيّر ذلك من واقع الأمر شيئاً؟
لا.. فقد بقيت سوريا خبرًا ثانويًا، والسبب بكل بساطة أن السوريين ليسوا أوروبيين!
تمامًا، كما لم يكن سكان رواندا في السابق ينتمون إلى أوروبا.
المجتمع الدولي الحضاري والمرهف فضّل البقاء على مسافة، مشيرًا إلى هؤلاء البرابرة، قائلين لهم: اذهبوا بعيدًا وموتوا لوحدكم!
لأن وصمة العار هذه لم تأتِ من فراغ، بل على العكس تحتاج لساعات من العمل المجهد، لتعزيزها وتأكيدها، لذلك نحن لا نملك الوقت للتفكير بالكلام حول الإنسانية وواجب الحماية الدولية. أو حتى التفكير ذاته.
لن تدخل سوريا نطاق عواطفنا، “سوريا برّا”.
أما الناس المساكين الذين اهترأت أصابعهم من الكتابة، فلن يغيروا من قرارنا شيئًا، خلص الحكي!
أما فيما يتعلق بقراراتنا التي تتصف بالاقتصادية والمرونة،
فقد اخترنا اهتماماتنا بعناية. داعش مثلًا.
و”داعش” عبارة عن اختصار يسخر من الدولة الإسلامية، تلك الدولة التي نردد اسمها نحن الغربيون ببالغ الجدية.
لفت نظرنا السفاح الملتحي منذ البداية، ليس تمامًا منذ البداية وإنما فقط بعد أن رأيناه على الشاشة يقطع رأس الصحفي الأوروبي، هنا تم استفزازنا ووقفنا غاضبين أمام هذا العرض الهمجي. نعم، ومازلنا غاضبين… أحيانًا.

إنه من الغباء، أن نستغرق كل هذا لندرك، وعبر أحد الأوروبيين، أن الملتحي حامل السيف لم يكن إسلاميًا متطرفًا، أي لم يكن أبدًا شيئًا غريبًا عنا.
وهذا بدوره قد درس منهج عمل شتاسي (Stasi)، جهاز مخابرات ألمانيا الشرقية، إضافة إلى أنه كان أيضًا في يوم ما صديقًا للمخابرات الأمريكية.
الكوادر والمؤسسون لتنظيم داعش أتوا من خلفية عسكرية عراقية، كان قد تم إقصاؤها، بعد أن غزا بوش العراق ليمطر القنابل مدمرًا البلد، الذي جمع رامسفيلد وأمثاله ثروتهم الكبيرة عبر دماره.
أحدث الضباط العراقيون، الفاقدون لمناصبهم والمحبَطون، واجهة أصولية لانفسهم. حيث جَنّدوا الشيشانيين والأوزباكستانيين الذين يجهلون أصلا ماهية القرآن، وذلك لكي يتمكنوا من تحييد الشخصيات الديموقراطية الفاعلة عن السلطة المحلية القائمة.
السوريون الذين هربوا من داعش، حدثونا من قبل عن ذلك، وحاولوا مرارًا، ولكن لم نستمع لهم إلا الآن. ربما!
الآن تأكدنا من خلال أحد الصحفيين الغربيين القلائل، كريستوف رويتر (Christoph Reuter) الصحفي لدى ديرشبيغل الذي سافر في السنوات الماضية إلى سوريا، ليتكلم مع السوريين مباشرة على أرض الواقع. ومن المثير أن كريستوف، لديه وجهة نظر بسيطة للغاية، أن من لا يمكن الوثوق به ليس الإنسان السوري العادي، بل من لا يمكن الوثوق به هو بشار الأسد.
كريستوف ليس خبيراً فقط بشؤون الشرق الأوسط وإنما أحد القلائل الذين يتقنون التحدث بعدة لغات غريبة ولامنطقية، مثل العربية.
لقد حصل كريستوف على كنزه المهم متمثلًا بالهيكل التنظيمي لداعش، الذي كان موجودًا لدى أحد قادتهم ممن قُتِل قبل عام. كريستوف ذاته قام بخرق قناعاتنا بشكل صادم.
حيث يشير إلى أن داعش المجموعة العربية المتوحشة التي تقوم بتلك المجازر، لها بشكل ما صلة بنا نحن.

كيف حدث ذلك؟. لا أحد يعلم على وجه الدقة.
على أية حال نحن الأوروبيون المرهفون، المدركين لكل ما يحدث حول العالم، لدينا مسؤوليات أهم، ترك اللاجئين يغرقون في البحر مثلاً، مع أن الأمر اختلف قليلاً عما كان يحدث سابقًا.

الآن يرغب الجميع بشكل ما بالحياة، هل يمكن لذلك أن يتحقق! ولكن كيف؟ فلا يوجد مكان مناسب يتسع للجميع، في الوقت الذي نحيا فيه هنا حتى منتصف الثمانين، وسنبقى كذلك حتى حين. وعليكم أن تفهموا ذلك يا سوريين، فأنكم مزعجون جدًا.
يا سوريين اذهبوا عنا، موتوا بعيدًا، موتوا بصمت!

 

المقال الأصلي

عن أحمد محاميد

أحمد محاميد

مترجم سوري مقيم في ألمانيا