قلم بني على كرتون - عبد الكريم مجدل البيك
قلم بني على كرتون - عبد الكريم مجدل البيك

ليدوكائين

الخدرُ يتسلّل دافعاً الألم. جرعةٌ واحدةٌ غيرُ كافية. أريد مزيداً من الـ”ليدوكائين(1)إحدى زمر المخدرات الموضعيّة” لأستمرّ أكثر.الألمُ يحاصرني، يجتاحني. أرتجفُ أتمعّجُ كدودةِ قزٍّ. أزحفُ على بطني في أرجاء الغرفة. أزحفُ للخزانة أفرغ منها الثّياب. أرمي كلّ شيءٍ خارجاً. أغلقُ الباب على نفسي. أبكي، لا أعرفُ من أينَ اكتسبتُ هذه العادة، كلّما خفت. أحشرُ نفسي مثلَ حلزون في قوقعة. أسدُّ كلّ ثقوب قوقعتي. فاسحاً المجال للظلام أن يغطّي كل جدرانها. الجلوس في مكان ضيّق مظلم يشعرني بالأمان أكثر. الضّوء يولّد عندي شعوراً أنّ أحداً ما يراقبني.

يزداد تركيز المخدّر. يهربُ الألمُ من رؤوس أصابعي. أرتخي. أتمدّد في قوقعتي الضيّقة. العالمُ يغدو هلامياً. متماسكاً بهشاشة. الأصوات تتلاشى ببطء. الزّمن يتمطّط. يصبحُ أكثرَ لزوجةً. تنهار الجاذبيّة. أطير.

أحلّقُ فوقَ أرضٍ فسيحة. سهلُ قمحِ أصفر. الرّيح هادئة تحرّك السّنابل. تتحرّك السّنابل متناغمةً. السّماء تمطر ندفَ دم متجلّط تهطل رويداً رويداً. تضفي لوناً أرجوانيّاً على صفرة المكان. أقتربُ من سنابل القمحِ. ألتصقُ بجذع سنبلةٍ. أميلُ بتمايلها.أمدُّ عينيَّ المثبتتان على ناتئين قليلاً. أراقب بهدوء المكان. أدوّر عينيّ في كلّ الاتجاهات بسهولة. تصبحُ الحياةُ أسهل عندما تكونُ كائناً رخواً. تستطيعُ الدخول للأماكن الضيّقة. التأقلمَ معها. الانسلال إلى أيّ مكان. كائنٌ رخوٌ مطاطيْ. ترتدّ دونَ رضوض عندما تسقط. تتقولب مع أيّ شيء. لامفاصل و عظام تتكسّر و تحولُ دون استمتاعكَ بالانضغاط في قوقعة.

أمدّ عينيّ. حقلٌ واسعٌ جدّاً. الأرضُ طينيّة رطبة. تفوح منها رائحة العفن. ندف الدّم تستمرّ بالهطول. تتمازجُ مع الطّين أشلاءُ جثث كثيرة. في منتصف هذا الحقل تقفُ شجرةٌ عظيمة. تتدلّى منها أجساد أطفال معلّقة. آلاف الأجساد تتدلّى و تتأرجحُ مثل قناديل مع الرّياح. أنظرُ للخلف. في الأفق تلوحُ أطيافُ بشر. سديم غرائبي لأناس قادمين. يقتربون. تتوضّح وجوههم . نساءٌ، رجالٌ و أطفال. للنساء ملامحٌ لا أستطيع تفسيرها. الرّجال بلا ملامح واضحة. يشبهونَ منحوتات لم يكتمل إنجازها. وجوهٌ طويلة. أنوفٌ طويلة. ابتسامات ثابتةٌ تغطّي كلّ الوجوه. يقتربُ السّديم ويمرُّ قربي دون اكتراث. يصلونَ الشّجرة. يشنقونَ الصّغار. مئات الأجساد الجديدة انضمّت للأخرى. الرياح مستمرّة بحياديّة. الدّم يهطل. السنابل تتمايل.

يبدأ الصّراخ. الرّجال يحشرجون كوحوشِ ما قبلَ التّاريخ. النساء تزعق. الحقل يحترق. النار تلتهمُ كلّ شيء. النارُ تقتربُ منّي كثيراً. أذوي تحتَ الحرارة. أذوبُ. أختبئُ داخلَ قوقعتي. أحشرُ نفسي أكثر. أعمق. الحرارةُ تذيبني. إنّني أحترق. أذوب.

هذا المخدّر لم يعد كافياً لأطيرَ مرّةً أخرى. أحاولُ الهرب. تخونني الجاذبيّة. جسدي ملتصقٌ بشدّة في جذع سنبلة.

أستيقظُ فجأةً. أكادُ أغرقُ في عرقي داخل الخزانة. أرتجفُ من البرد. الألم المتناوب على سحقي يعودُ مرّة أخرى. أزحفُ خارجاً. أبحثُ عن الـ”ليدوكائين”. نفذت الأمبولة. الألمُ ينخرُ أكثر. لا بدّ من أنّني بحاجة لزيادة الجرعة المرّة القادمة. هذا الحلم يجب أن ينتهي.

المراجع   [ + ]

1.إحدى زمر المخدرات الموضعيّة

عن محمد النصيرات

محمد النصيرات
طبيب أسنان و كاتب من سوريا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.