اختبار

فوتوغراف ديڤيد سيمور، في ملجأ للأطفال المضطربين في بولندا 1948، تيريسكا "التي نشأت في معسكر اعتقال" ترسم "بيت".

نجاة عبد الصمد

لن أحاول نسيان “ايرينا”؛ ولا فزع الاختبار الذي أسلمتني إليه، ولا فراري منها؛ ذاك الذي أسعفتني إليه تربيتي العربية…
كنتُ في السنة الثالثة في كليّة الطب حين أحالني طبيب الجلد لأكمل علاجي في “صالون التجميل”. تلك كانت فرصتي لأدخل، لأول مرّةٍ، دار تجميلٍ متواضعة، ككل أماكن الرفاه الشحيحة في زمن النظام الشيوعي السوفييتي. جاء دوري، بعد طول انتظار، في الكابينة التي تشتغل فيها “ايرينا” موظفةً في الدار. أسلمتُها وجهي لتفرش عليه قناعاً من الأعشاب العطرية، وتترك عينيّ عاريتين تسرحان بين وجهها الحليبيّ الصافي، وشعرها الأسود كريش الغراب. يداها الدافئتان، وطبطباتهما الناعمة، وثرثرتها اللطيفة، تنسيني كتبَ التشريح والفيزيولوجيا وعالم الأمراض. طالت الجلسات قبل أن تشفى بشرتي من ندوب بثورٍ قديمة، وطالت أحاديثنا باللغة الروسية التي لم تعد أعجميّةً بعد إقامة أربع سنين في أوكرانيا. لاحقاً فهمتُ ايرينا لم تكن تثرثر. كانت تسألني، وأجيبها، ببراءة التلاميذ المجتهدين، عن عائلتي وبلدي سوريا وبلاد الشام القديمة، عن طقسها وخضرتها وثمارها وعاداتها وهموم أهلها… وكم باحت بأنها تحلم بالذهاب إلى (هناك)…
على أبواب عطلة الصيف، وكنا أصبحنا (شبه) صديقتين، قالت لي ايرينا:
” لديّ ثروة، مجوهراتٌ ودولاراتٌ، ممّا جمعتُ، وما ورثتُ عن أمي وجدتي”…
“سيصير جزءٌ منها لكِ، بالطبع مقابل خدمةٍ سريّةٍ تقدّمينها لي، وإلاّ فقد يطير عنقي… سنتّفق على حصّتك فيها لو قبلتِ بإخراجها معك إلى سوريا عبر مطار موسكو، حيث لا يدققون على تفتيش الطلبة الأجانب كما علينا نحن …..ا، ومن هناك ترسلينها، بعد اجتزاء حصتك إلى صديقةٍ لي في عمان، سوف تلاقيني بها إلى تل أبيب بعد وصولي أليها”
“تخنقنا هذه الحكومة السوفييتية، نحيا هنا غرباء منبوذين، وحين نطلب الهجرة نتعرّض لاختباراتٍ وشروطٍ مُذلّة. وإن وافقوا على هجرتنا، لا يسمحون لنا بإخراج أموالنا. وإن ضبطوها خلال تفتيشنا المُهين في المطار سيصادرونها. هذا إذا نجونا من التحقيق والسجن أو الإقامة الجبرية هنا…”
” فكري فيما سأقول، أعرف أنني أغامر بالثقة بك إنما لا خيار أمامي، لا أعرف أحداً سواكِ من ذلك ال هناك، وسأخسر ثروتي إن تركتُها هنا”
…..
أذكرُني يومها، صبيّةً لا تفطن إلى فقرها لأنها ألفته. طالبةً جاءت من بلدٍ صغيرٍ في العالم الثالث، ربما يُضنيها الحلم بمعطف حارٍّ في صقيع بلاد السوفييت. لكنها لم تلمس من المجوهرات سوى صورها البهيجة في المجلات الملوّنة، ولن يعثر سارقٌ في بيت أهلها ولو على خاتمٍ ذهبيّ أو حتى فضيّ.. ولعلّها تحدس كم تفتح العملة الصعبة أبواباً عصيّة، إنما لم يتدرّب عقلها أو إيمانها بعد على تصنيف عطيّة السماء أو ضربة الحظ؛ كم قد تساوي مثلاً، وماذا يمكن أن تفعل بها، وهل هي حلالٌ أم حرام؟! ..
يومها، لن تعبر تلك الصبيّة ـ أنا ـ إلى هذه التفاصيل الفائضة، ولا إلى التفكير بسطوة مخابرات بلادها التي تعرف (كل شيء)، فقبل الوصول إلى هذه المخاوف المشروعة، سيعلق تركيزها في حبل رقيبها الداخلي وأسئلته الكاوية: هل سترضى ابنة سوريا، لقاء عمولةٍ سخيّةٍ، بإنقاذ ثروةٍ مبهمة لصديقةٍ تكتشف للتوّ أنها يهودية، وتصل الثروة بسلام إلى البلد الذي تسمّيه الصديقة “إسرائيل”؛ بينما لا يعرف السوريون له اسماً سوى: “فلسطين”؟
….
أذكر خوفي المباغت منها حين فهمتُ ماذا تريد، ثم نفوري ثم أمنيتي أن تصمتَ لأنهض وأهرب ولا أعود إليها ولا إلى لزيارة هذا المكان أبداً.. ولا أنسى أنني لم أرها بعد ذلك اليوم. لا أعلم إن كانت رحلتْ أم عدلت عن قرارها في اللحظة الأخيرة، ولا أعلم ماذا حلّ بمجوهراتها. أذكر فقط أنني نهضتُ من على كرسيّ الصالون بقدمين رخوتين، ربما نقدتها أجرَ تلك الجلسة، وربما لا.. أذكر مشيتي التائهة في طريقٍ طويلٍ إلى غرفتي في السكن الجامعيّ، أذكر خرَس لساني وأنا أصغي إلى عباراتها المنتقاة بإحكام، أذكر جفاف حلقي، وشتات تركيزي، ثم استسلامي إلى عناية الرعب المدوّخ. أمشي هاربة من ايرينا، ومن صالون التجميل، ومن حكاية اليهود والمجوهرات. أمشي ثقيلةً بفزعي من هذا الحِمل الثقيل على صبيّةٍ صغيرة السنّ والتجربة…
….
وأكتب الآن بعد مضي ربع قرنٍ على لقائي الأخير ذاك ب”ايرينا”…
ربما كانت صادقةً في عرضها، وربما كانت تنصب لي فخّاً محكماً وقاتلاً.
كنت هناك مشغولةً بدراستي، ولستُ على دراية بما يجري حولي.. وعدتُ إلى بلدي، وصرت أقرأ وأسمع أخبار الهجرات اليهودية إلى (فلسطين)، وتأتيني صورة ايرينا من حينٍ لحين.. يومها لم أفكّر بها كإنسانة؛ ربما كانت ثروتها من تعب يمينها حقاً ولم تتراكم من الربا الذي وسم اليهود في جني ثرواتهم، وربما كانت ايرينا محقّةً في شعورها بالغبن في مجتمع السوفييت، في انحشارها بين سندان المنظومة التي تنظر إلى اليهود عموماً بدونيّةٍ، (في الوقت الذي كان بعضهم لا يطمع بأكثر من الشعور بالمواطنة المتساوية مع باقي القوميات والأديان في مجتمع السوفييت التي تتعايش، بشكلٍ ما، فيما بينها)؛ وبين مطرقة الوكالة اليهودية وأذرع أخطبوطها الذي لم يكفّ عن تحريض اليهود على تقويض حياتهم في أوطانهم الأصيلة، والترفُّع عن العيش فيها، ويشجّعهم على الهجرة إلى إسرائيل منذ هزيمة العرب عام 67، إلى بدايات انهيار الاتحاد السوفييتي بعد البيريسترويكا، وما أعقبها من الفوضى التي استشرت في روسيا الجديدة، وأحيتْ مخاوف اليهود من موجات (العداء للساميّة).
لو كنتُ على وعيٍ أو جرأةٍ أو معرفة لربما كنتُ سألت ايرينا: لماذا عليكِ أن تهدمي حياتكِ (هنا)، وتعيدي بناءها (هناك)، ربما على أنقاض إنسانٍ فلسطينيٍّ كان يرتّب لحياته على مهلٍ ككل البشر الطيبين؟! وهل أنتِ أكيدةٌ من ذلك الأمان (هناك)؟!
ومرّةً، في بلدي، استمعتُ صدفةً إلى إذاعةٍ ناطقة باللغة الروسية من تلك التي أنشأها المهاجرون الروس، تستضيف امرأةً يهوديةً روسية تحكي بألم: “لا خلاص لنا.. هناك في روسيا كان لقبي يهودية، أدنى من مواطِنةٍ طبيعية، وهنا يميّزونني من ملامحي: يهوديةٌ شرقية، مواطنة إسرائيلية من الدرجة الثانية، بينما الدرجة الأولى ليهود أوربا الغربية…” وعادت ايرينا لتحضر أمامي بأحلامها المقتولة، ببياض بشرتها المسفوحٌ كثلج معفّر، وشعرها الفاحم كريش غرابٍ ضالّ.
وعدتُ لأسال نفسي: لو كنت أعلم يومها أنّ ايرينا يهودية هل كنت لأسمح لها أن تعتني بي؟!
وأظلّ أسأل: وطالما الإنسان، أيّاً كان، مفطورً على الخير؛ فهل تعود إليه فطرته الخيّرة، وأمانُه في أرضه الأصيلة إذا ما كفّ الطغاة وتجار الحروب عن هندسة العداوة بينه وبين الآخر المختلف؟!

عن نجاة عبد الصمد

نجاة عبد الصمد

طبيبة جراحة وكاتبة. صدر لها في الترجمة عن الروسية: مذكرات طبيب شاب (قصص). الشباب جسد وروح (كتاب طاولة). بلاد المنافي (رواية). غورنيكات سورية (مرويات).