الصفحة الرئيسية / تجريب / لو فقط أسقطُ نهائيّاً

لو فقط أسقطُ نهائيّاً

عرض "بيني وبيني"، أداء علي حديد وقراءة شعريّة لحسام ملحم، بيروت 2014، تصوير محمد عبد الله.

حسام ملحم

لا تَعقدْ ذاكرةً مع أيِّ شيءٍ، سوى مع ذاكَ الوحش الذي يربَى ببطءٍ وأناقةٍ في داخلكْ
خوفكْ
..

الأمكنة
مجرّدُ خيالاتٍ فرديّة،
رُقعٌ خشبيّةٌ، لأجسادٍ تُرمى عليها بعبثيّةٍ، كَنَردْ
لأجسادٍ أخرى تكونُ حجارةَ اللعبة، التي يختارُ النّردُ حركتها.
والبيوتُ،
كلُّ البيوتِ التي فيها ستنزلُ ثمَّ ترحلُ،
ابتداءً من رحمِ أمّكَ،
مجرّدُ زنزاناتٍ لطيفةٍ قسريّةٍ، لتقليصِ حجمِ الخوف، لجمعه كاملاً في غرفة، ومحاولةِ الانتصارِ عليه،
غرفةٍ ستتقاسَمها مع نزلاءَ لطفاءَ أو فظّينَ،
أو تسكنها وحدكْ
ثمَّ في كلتا الحالتينِ، ستحبُّ أن تؤثّثها ببعضِ منكَ، من “بصماتكَ”: أنّكَ هنا كنتْ.
وكأنَّ ذلكَ سيعني شيئاً لأحدٍ ما، يوماً ..
سخافاتٌ أخرى فقطْ.
القبرُ هو الملكيّةُ الوحيدةُ التي لن يقاسمكَ عليها أو ينتزعها منكَ أحدْ، سوى ذاك الوحشُ
إذ سيكونُ بالضرورةِ مدفوناً معكْ،
بدقّةِ أكثرْ سيكونُ قد صار كلّكْ، صارَ أنتْ
..

الأصدقاءُ، أو لنقلْ بتخصيصٍ أكثر الصّديقُ،
إن صدفَ ومنحتكَ فوضى الحياةِ واحداً
ستكونُ الذاكرةُ معه، اختلاقاً عفويّاً، مجمَّلاً أو مشوّهاً، منقوصاً أو زائداً، مؤلماً أو رقيقاً، أيَّ شيءٍ أو كلَّ شيء؛
إلّا ما حدثَ على وجهِ الدّقةْ
لُعبتُكما ولَعنتُكما معاً، قُدرتُكما الخفيّةُ بالاشتراكِ العفويِّ الشهيِّ اللامتّفقِ المقتَنِعِ، على تخيّلُ الذكرياتِ بدلاً من تذكُّرِها
تبعاً لمزاجيّةِ اللحظةْ
تبعاً لمدى احتياجِ كلٍّ منكما، إلى الشعورِ بأنَّ لهُ هناكَ في البعيدِ، حائطاً صلباً، يعودُ إليهِ، يجلسُ القرفصاءَ خلفهُ، مكسوراً خائفاً، إذا ما اشتدّتْ على الذّاتِ، زوابعُ الفراغْ
انفصامُ الشخصيّةِ، إن حالفكَ الحظُّ أكثر وأُصبتَ به، هو “الخلُّ الوفيُّ”، اكتمالكَ المشّعُ من حيثُ هو نقيضكَ الكلّيّ.
الـ “دائماً هنا معكَ”، على اختلافِ الأمكنةِ، على اختلافِ الأمزجةِ، على اختلاف كلُّ شيءٍ، لأنهُ اختلافكَ الجميلُ فيكَ، ومعكْ
هو أن تُبقِي دائماً دون وعيٍ أو إدراكٍ، على ذاكَ الصّراعِ الخلّاقِ الجميلُ بين “العقلِ والغرائزْ”، وتراقبهُ بمتعةٍ دون أن تنتصرَ أبداً لأحدهما.
..

سجن صيدنايا | غوغل إيرث.

محاولةُ استرجاعٍ لما يمكن أن يكونَ ذاكرة:
تعضُّني كلَّ ليلٍ إذْ مستلقياً أكونُ، قربكِ، وأنتِ نائمةٌ
تعضّني الوحدة
في ذاتِ المكان،
تلجُ أنيابها، في تلك الحُفر القديمة على جدار القلب، حيث جرّبتُ لأوّلِ مرّةٍ أن أضعَه بينَ أنيابِ ذئب؛
كان ذلك حينَ زارتني أمّي لأوّلِ مرّةٍ، بعد سنةٍ ونيّفٍ من الاعتقالِ، لثلاثِ دقائقَ لم تكن كافيةً لتخبرني ماذا فعلَ بها غيابي،
لم تكن كافيةً حتّى لتبكي، دموعاً كانتْ تحبسها في قلبها لسنةٍ ونيّفٍ بانتظارِ تلك اللحظة.
تلك الدقائقُ الثلاثُ ذاتها، كانت كافيةً لأن يطبقَ على قلبي الذئبُ بأنيابه، وأنجو حينَ سأسمعُ صياحها بين العسكر، وهم يجبرونها على المغادرة ” مشان الله، جايبتلو جوز جرابات معي، ما لحّقت أعطيه ياهون، بس خلوني أعطيه ياهون، لأنو بصيدنايا كتير برد!!”
ما مَسَخَني يومها، أنّي كنتُ مجبراً على الابتسامِ كمن يشقُّ فمه بشفرةٍ “معلش حبيبتي، بتعرفيني ما ببرد، الزيارة الجاية بتجيبيهون معك”
وأنا هناك، خلف قضبانِ “قفص المحكمة”، مستعدّاً بقلبٍ مرتجفٍ لتلقّي قرار الحكم بالسجن لخمس سنواتٍ، مستعداً بقلب مزمجرٍ، مع غيابِ يَدِ أمي التي تلوّحِ بالجواربِ، لأن آكل لحومهم جميعاً.
يومها صرتُ نصفَ عصفورٍ ونصفَ وحش، بنصفِ قلبٍ حيٍّ، ونصفٍ آخرٍ ميّتْ
صرتُ تقريباً بلا ذاكرةْ
..

عضّةُ الذئبِ الثانيةِ، أطبقَتْ خطأً على قلبِ أمّي، بلا ألمٍ
بالأحرى، أطبقَتْ على قلبٍ منهكٍ ألماُ، لم يعدْ يقوى حتّى على الأنينِ المكتومْ
كانَ ذلكَ حينَ ضممتُها للمرة الأخيرة، قبلَ انشلاعي الكلّي إلى أقاصي الشمالْ
يومها تحوّلتُ تقريباُ بالنسبةِ لها، إلى مجرّدٍ ذاكرةٍ مشكوكٍ بأمرها، ذاكرةٍ مشوّهةْ
ابنها، طفلها الصغيرُ، صارَ مجرّدُ ذاكرةٍ مشّوهةٍ، قبيحةٍ ومؤلمةْ
وحشاُ بنصفِ قلبْ
..

لا تَعقدْ ذاكرةً مع أيِّ شيءٍ، سوى مع ذاكَ الوحش الذي يربَى ببطءٍ وأناقةٍ في داخلكْ
خوفكَ،
خوفكَ، من أن يخرجُ حقدكَ على العالمِ دفعةً واحدةْ
أو تختنقَ به فتموتُ،
ليلاً،
إذْ مستلقياً تكونُ، قربها،
وهي نائمةٌ
وتعضّكَ الوحدة
– يا عمري أنت، لماذا لم توقظني لأعضّها؟
– كيفَ لي؟
ولها دائماً أسنانكِ أنت، حتّى أنَّ لها ابتسامتكِ، وفي كلّ مرّةٍ أوشكُ أن أقبّلها
توقفني الرائحةُ، رائحةُ فمها، ليست رائحةَ فمكِ، بل رائحةُ جوفِ ذئبٍ يتضورُ جوعاً في داخلي.
– لم أفهم كثيراً ؟
– أنت مرآتي التي أحاولُ جاهداً ألّا أكسرها، فيخرجَ ما هنا
..

هامش:
تقولُ الأسطورة: حينَ يمتزج دم إنسانٍ بدمٍ حيوانٍ يصبحان قرينين.
..

ذاكرة:
في عام 1989 كنتُ في الخامسة تقريباً، وكان هناكَ أقرباءٌ لنا، في منطقة مساكن الديماس في ريف دمشق، كنا يومها زوّارهم في إحدى أيّام العطل، وبقرب منزلهم كانت قد افتُتِحتْ حديثاً حديقةٌ صغيرةٌ للحيوانات، ذهبنا جميعاً هناك،
لا أذكر من كلِّ ما كان فيها، إلا أنْ كان هناك ذئبْ
وكنتُ أرتدي حذاءً رياضياً جديداً، يكبُر قدميَّ يقليلٍ
وأذكرُ أنّي مرَّرت قدماً من بين قضبانِ القفص لأغيظَ الذئبَ، فعضّني، خدشَ مقدّمَ إبهامِ قدمِي، نزفتُ قليلاً،
ما حمى أصابعَ قدمِي يومها، من أن تصبح طعاماً حيّأً للذئب، أنّ حذائي كان أكبر من قدميّ بقليلْ
ومع الزمنِ باتتْ خطواتي أصغرَ من مكان وطأتها، أمشي مهزوزاً، وما يحميني من السقوط أنّي دائماً مشدودٌ من ألفٍ جهةٍ، بألفِ كلّابٍ في لحمي،
مع كلِّ خطوةٍ، أنسلِخُ ببطءٍ، لكن لا أفقدُ توازني
لو فقط أسقطُ نهائياً.

حسام وإخوته | من صفحته على موقع الفيسبوك.

عن حسام ملحم

حسام ملحم

كاتب سوري