الصفحة الرئيسية / نصوص / رأي / بين الميول المثلية والهوية الجندرية. الجنس الثالث سلطة مزدوجة والمثليون في كل مكان
(AP Photo/Efrem Lukatsky)

بين الميول المثلية والهوية الجندرية. الجنس الثالث سلطة مزدوجة والمثليون في كل مكان

لم يكن أنمار في حياتي شخصا عابراً.. كان صديقا مميزاً إلى أبعد الحدود. كان مثل الأم والأخت والصديق، بإمكانه لعب كل الأدوار، فنان وحساس وقارئ وخفيف الظل. عندما عرفت أنه مثليّ لم أسمح للأمر أن يزعجني على الرغم من الصدمة. كيف أفعل ذلك وأنسى كل اللطف والأمان الذي أحاطني به والذي لم أشعر به مع أي صديق ذكر آخر؟!
وضعت الحياة في طريقي أشخاصاً كثراً مثليين ومن الجنس الثالث، كلهم خلقوا في الأصل ذكوراً مع بعض النقص أو الزيادة، في الأعضاء أو الهرمونات. وكانوا يشقون طريقهم في الحياة مثل كل الناس. لكن بصعوبة أكبر. فأن تضمر شيئاً خفياً طيلة الوقت وتعيشَ حياةً مزدوجةً واحدة في العلن وأخرى في الخفاء فهذا من أصعب مايمكن أن يمر به إنسان، الانشطار.
يعرف هذا جيدا من اضطر لتخبئة سرٍّ لفترة طويلة، لكن حين تضع ثقتك بشخص ما لتعلن عنه، لتتخفف وترتاح، ستكون أمام احتمالين: إما أن يتم قبول بوحك وكتمان سرك؛ أو ستتعرض لمحاكمة طويلة لا تنتهي، تتمنى بعدها لو أن لسانك انقطع قبل أن تقول!
أتذكر نائل وروي، تعرفت عليهما مرة عند أصدقاء. لا أعرف التصنيف الجندري السليم لحالتهما، لكن نائل بشعره القصير وملامحه الصبيانية كان يتقصع بوركيه مثل كتلة غواية بدشداشة حريرية. أما روي فكان رجلا بشعر أشقر وعلى وجهه اخضرار طفيف، من أثر لحية خشنة مزالة بعناية ، تحت طبقة سميكة من كريم الأساس. كان الاثنان شخصان طريفان، أحدهما يمتلك دلع أنثى ، لو أجريت له بعض التعديلات لا يمكن أن تتذكر حتى أنه ذكر، فصوته يتسلل بغنج وضحكته لها رنين الخلاخيل. أما الآخر فكان يحاول بصعوبة أن يخفض نبره الأجش من بين شفتيه المحقونتين بالسليكون والمطليتين بالشفاف الوردي، ويزيد من زم فخذيه في جلسته ويترك يداه متصالبتين باسترخاء أثناء الحديث .
وفجأة وضع أحدهما موسيقى أم كلثوم وقاما يرقصان. وكأنك ترى نجوى فؤاد وسامية جمال أيام العز تتباريان بالتلوي والخطو الرشيق على رؤوس الأصابع. سقطت الأفكاك السفلية للرجال الحاضرين في السهرة وامتزجت الغيرة بحقد ساخرٍ في أعين النساء.
تحرك حسّي الصحفي وبدأت أستقصي عن الأسباب والدوافع لحالتيهما، كانا في منتهى المرونة في استلام السرد وجذب الرؤوس إلى الحديث غير المألوف، على الأقل علناً.

ولد نائل وحيدا بعد خمس أخوات بنات. وكن يعاملنه مثل اللعبة يطلن شعره ويضعن له الأشرطة والبكلات الملونة، ويجربن عليه الفساتين. جهل الأم جعلها تجد هذا طريفا وتسوق في دلع ولدها الوحيد. عندما كبر لم يتحرج من الاعتراف للعائلة بأن له روح فتاة ومشاعرها ومزاجها وهواها. فهو يميل لاختيار الأقمشة الطرية الملونة، وتستهويه تصفيفات الشعر ووضع الماكياج، وحده العضو بين فخذيه كان ينغص عليه حياته. كان يشعر بمسؤوليتهم عن ذلك مما قوى له قلبه ووضعهم أمام الأمر الواقع. جن جنون الأم وحاولت أن تعيد الأمور إلى صوابها فالعائلة التي فقدت الأب ستفقد آخر سلطة ذكورية لها في المجتمع بخسارة ذكورة الابن الوحيد، دارت بين البيوت تبحث له عن خطيبة، امرأة تعيد ترميم ذكورته التي أفسدتها قلة الاحتفاء. وحاول نائل جاداً أن يستعيد هويته الأصلية بمجاراتها، لكن الأوان كان قد فات، قال لأمه: إيديي أنعم من إيديها.
أما روي فكان ظرفه أصعب. أخبرنا أنه يتناول حبوب منع الحمل لأن تركيبتها الهرمونية في الجسد الذكوري تخفف ظهور الشعر في الوجه. لكن في الحقيقة كان كل ما فيه يدل على ذكورة مشوهة. اللحية، الصوت، العضلات المفصلة، الرقبة العريضة، الجذع المتخشب. والاسم الحقيقي، فبينما أمكن بسهولة على الجميع استبدال نائل بنائلة، كان من المستحيل تأنيث عبد القادر القدوري، فأطلق على نفسه اسم “روي”!
المجتمع لم يعترف بعد بالجنس الثالث ولا يتقبل أبدا بحكم العرف والعادات والتقاليد والدين هذا التصنيف للهوية الجندرية أوالعلاقات المثلية. ستدهشون لو سنح لكم الاطلاع على كثرتها. إنهم يملؤن كل حيز لا تتنبهون له.

في مجال العمل تعرفت على فهّودة. لديه تقريبا نفس الحكاية التي يرويها بعض أفراد الجنس الثالث حول كثرة الأخوات والدلع المفرط. لكن فهودة كان جريئاً ولديه من الثقة ما يجعله يرفع القبعة التي يرتديها طيلة الوقت ليريني طول شعره الذي يصل حتى منتصف ظهره. فهّودة لا يملك من الأنوثة سوى الروح، يصر على أن تناديه الآنسات والسيدات في العمل (خالتي). كان يوقفنا في الممر ليشيد بماكياجنا وجمالنا وشعرنا مثل أنثى تمتلك الكثير من المحبة والود والثقة بالنفس، ويقدم الملاحظات حول شكلنا والنصائح التي يمكن أن تحمي بشرتنا المعرضة للإضاءة أو تحمي شعورنا من الاستعمال المتكرر لمجفف الهواء. مع الوقت لم نعد نتحرج من خالتي إذا امتدت يدها لتتلمس شعرنا أو وجوهنا، لم يعد لدينا أي إحساس بخشونة يده ذات الأظافر الطويلة. ربما لأن ميزة فهودة الأبرز والتي جعلته مقربا منا أكثر من باقي طاقم العمل التلفزيوني هو أنه زكرتي وله تصرفات الرجل الشهم حين يتطلب الأمر. فلا يمكن أن يسكت عن نظرة غير نظيفة لأحد الذكور في العمل لواحدة منا. وكنا نشعر حقيقة بالحماية حين يطلب من أحدهم أن (يكسر عينه) أو (يقصّر حسّه) أي يغض بصره ويخفض صوته أثناء الحديث مع السيدات. ولم يكن أحد منهم يجرؤ على مواجهة لسانه السليط. كان يتمتع بسلطتين معا، سلطة روح الأنثى التي يقدم نفسه بها، وسلطة الذكورة التي ولدت معه.
وبمناسبة السلطة، فقد مر علي مسؤول يشغل منصبا كبيراً، وينحدر من أسرة مالكة، لم تؤثر ضبابية هويته الجندرية على سلطاته، فالمال والعائلة والمنصب، جعلت الجميع يتعاملون معه على أساسها، ويرضخون في كثير من الأحيان لطلباته التعجيزية في العمل ولغرابة أطواره خوفا من سلطته؛ بل وأكثر، كانت التعليقات كلها تحوم حوله همساً وسرّا ولم يتجرأ أحد على أن يطاله علناً بتعليق جارح كما كانوا يفعلون مع غيره.
تعرضت مرات قليلة للتعاطي مع مثليات (سحاقيات) أو بويات، المصطلح المحلي في الخليج المشتق من Boy أي (غياب الهوية الجنسية الأنثوية). لكن في السنوات العشر الماضية بدأن يصبحن أكثر جرأة، ويظهرن للعلن. فالعضلات والوشم وقصات الشعر الغريبة وأحيانا إطلاق الشارب. ومن الغريب والذي لم أستطع تفسيره حتى الآن أنني مع مرور الوقت استطعت تقبل الجنس الثالث والمثليين من الذين ولدوا في الأصل ذكورا، بينما لم أستطع أبدا ولا في أي حال التعاطي مع البويات. على اعتبار أن السحاقيات كاملات الأنوثة أقدر على إخفاء ميولهن.
“مستحيل أبي يعرف كيف عايش أنا بالغربة وشو هيي الحقيقة بينجلط”، هكذا تحدث روي قبل أن يغير تعامله معي ويقرر استعدائي مثل أنثى غيورة. فقد كان خبيراً في الماكياج واستعنت به لعملي التلفزيوني والحقيقة أنه كان فناناً في المجال، وحولت له الكثير من الزبونات، كلما سألتني إحداهن عن شعري وماكياجي. لكنه لم يتفهم أبداً أنني لا أستطيع السعي لتوظيفه كماكيير في التلفزيون، فالقانون يمنع الرجال من العمل في هذه المهنة في البلد الذي كنت أعمل به. وشرحت له هذا مراراً:
-أنا أعرف أنك لست رجلاً ياروي لكن الأوراق الثبوتية هي التي ستتسبب برفضك حين يطلبونها لتوظيفك.
لكنه لم يقتنع!

بين الإعجاب والسماح، الاستنكار والإدانة، تعيش هذه الفئة بين الناس. قد لا أكون أنا ابنة المجتمع الشرقي وحدي من أخذت وقتا طويلا لتخف حدة دهشتها وصدمتها وتتقبل وجودهم الإنساني وتتفهم حقهم في حرية حياتهم، فكل عنزة معلقة من عرقوبها، كما يقول المثل. لكن أوبرا وينفري شخصيا في إحدى الحلقات عن المثليين لم تكن دهشتها أقل، خصوصا بعد أن وقف أحد الحضور ليخبرها أن بينهم لغة خاصة وأن بإمكانه أن يدل عليهم واحدا واحدا وأنها ستندهش من كثرة العدد بين الحضور، فرجته أوبرا ألا يفعل حرصا على من يريد الاحتفاظ بسرية حياته وخصوصيتها.
رؤساء وزراء، فنانون، مطربون، شخصيات شهيرة في العالم أجمع، بعضها استطاع إجراء عملية التحول وتغيير بطاقة الهوية، والبعض كانت لديه الشجاعة ليعترف بميوله متكئاً على الحرية التي يكفلها له مجتمعه. إلتون جون، جورج مايكل، إيلين دي جينيريس، رئيسة وزراء نيوزيلندا هيلين كيلار، ريكي مارتن.. وغيرهم كثر
لكن آخر صرعة هي المتحولة النمساوية المغنية كونشيتا فورست. والتي فازت مؤخراً بجائزة يورو فيجن، وبمجرد فوزها حصلت على خمسة ملايين واربعمئة ألف تغريدة على تويتر بينما أدى هذا اللفوز إلى موجة من الانتقادات الحادة والإساءات، وجهها سياسيون وفنانون روس تجاه المثليين جنسيا، لدرجة خروج احتجاجاتٍ في الشوارع، اعتراضاً، وبدأ الرجال يحلقون شواربهم أثناء المظاهرة!!
كونشيتا لا تهتم فهي سعيدة بالشهرة التي سببتها صدمة الجمهور بشكلها الأنثوي المثير مع لحية كثيفة، فبمظهرها الذكوري قبل التحول لم يكن يعرفها هذا الجمهور العريض على الرغم من جمال صوتها. الآن هي تتمتع بسلطة منحها لها عالم الفن المادي الذي يجني الملايين إثر الضجيج والغرابة.
بريطانيا، البرازيل، نيوزيلندة، الأوروغواي، الدانيمارك، ايسلندا، البرتغال، الأرجنتين، السويد، النروج، المكسيك، الولايات المتحدة الأميركية، واسكتلندا. سبع عشرة دولة شرعت بالقانون وبالتصويت البرلماني زواج المثليين. ودول أخرى كثيرة تبيح تحويل الجنس جراحياً.
عموما لا يشغل بالكم هذا التفصيل غير المهم فليس لدينا أي إحصائية في عالمنا العربي حول أعداد المثليين أوالجنس الثالث، أو الذين يخوضون التجربة الجنسية مع مماثل من باب النزوة والمغامرة والتغيير، ولماذا نشغل بالنا بهؤلاء ومازلنا نعاني من افتقارنا لقوانين ناظمة لحياة الأسرة والطفل والتمييز بين الجنسين ولحقوق المرأة والمواطن. ومازلنا لا نعرف كيف نضبط علاقات الزواج الطبيعية ومشاكلها الجمّة! نحن الآن مشغولون بدمائنا المراقة وخاضعون لآلة الحرب التي تحصد الجميع بالجملة، ولسياسة عالمية لا ترانا. ليس لدينا وقت لهذا الترف البحثي.
فليبق كل شيء يحدث في الخفاء، هذا أريح للبلاد العائمة والعباد النائمة.

 

الصورة: (AP Photo/Efrem Lukatsky)

عن نسرين طرابلسي

نسرين طرابلسي
كاتبة وإعلامية سورية. صدر لها المجموعات القصصية: في انتظار أسطورة، وأدرك شهرزاد الملل، بروفة رقص أخيرة. وفي النثر: حديث الخرساء

تعليق واحد

  1. المقال مهم جدا” و في وقتنا الحالي أكثر من أي وقت مضى . أعتقد أن جزء” مهما” مما يحدث الآن هو ألا ندع هده الأمور تحدث في الخفاء بعد اليوم. شكرا” لكاتبة المقال و لجرأتها ..