لؤي كيالي - الأم

لؤي كيالي - الأم،  مقطع من تشكيل. الصورة: عن موقع louay-kayali

أم أربَطعش

وأذكر أنّني استقيظت في ذاك اليوم، وأنا على وشك الإنهيار، شاهدت أطفالاً يهربون، وامرأةً قاسيةً تُحطّم الاشياء بموجات صوتها الحادّ..

استقيظت لكنّ الصّوتَ لم يتوقف، استمّر قلبي بالخفقان، إلى أن أدركت أنّ أم محمود، جارتنا، كانت تصرخ على طفلها لأنّه يأكل الطّين.

شاهدت من الشّباك ابنها الأصغر فراس، وهو “مدهوش ومرعوب”. نظراته تشبه نظرات طفولتي، حين كانت أمّي تغضب لنفس السّبب، غير أنّ صراخ أمّي، لم يكن ليعكر طفولتي، كما تفعل صرخات أم محمود بشبابي.

طفولتي عموماً رائعة. أكلت الطّين حتَّى نمت الأعشاب بداخلي. حفرت أكثر من عمّال البناء لأجل ذلك. وأمّا مزروعات جدّي فكنت أسوأ من سرب جرادٍ عليها. تعلمتُ السِّباحة مع الضَّفادع في “الحَاووص” (1)خزان إسمنتي يستخدم للري، و لم أتوقّف عن اللعب بأعشاش النَّحل حتى لدغت في أكثر مناطق جسمي حميميّة. وخرجت من الطّفولة مع جبين مرصّع بالندوب. أصدقائي كثرٌ، لكنّ إخوتي أكثر، أربعة أخوة بالدّم، وأربعة عشر أخاً وأختا “بالرِّضاعة”.

في حارتنا، جميع من هم في سنّي أبناءٌ لأم صادق بالرّضاعة. أم صادق امرأة سمينة قاسية الملامح، طيّبة القلب. تقول أمّي أنها اعتصرت قلبها لعشر سنين قبل أن تنجب ابنها الوحيد فأرضعت عند مجيئه كلّ أولاد الحارة كي لا يكون دون أخوة. لأم صادق قصصٌ كثيرةٌ، ونسجت عنها أساطيرٌ عدّة. بعض نساء الحارة يقولون أنّ لأم صادق أطفالٌ آخرين بالرّضاعة لا أحد يعرف عددهم، وأنّ حليبها مسحور. حتّى أنّها أرضعتْ جراء كلبة جارتنا أم تيسير. أم تيسير نفسها تعتقد أنّ أم صادق إمرأة مباركة، وأنّها أنجبت ابنها بمعجزة إلهية. كلّ شيء في أم صادق جميل بإستثناء رائحة ملابسها المختلطة دوماً بروائح الطّعام.

البارحة فقط، عندما عانقتني، كانت رائحة الحصار أقوى من رائحة ملابسها، للمرّة الأولى أعرف أن رائحة الملابس الملطّخة ببقايا الطّعام، يمكن أن تصبح نوعاً من التّرف.

على أيّة حال، مطبخها توقّف عن العمل، منذ دخلته القذائف قبل عام. لكنّ رائحتها ما زالت كما هي.

أم صادق التي عانقتني بالأمس لاتشبه أم صادق أو “أم أربطعش” كما يسميها بعض النّاس هنا لكثرة من أرضعتهم.

فاليوم، لم يبق من لقبها إلّا بقايا لأمومة الحليب، فالحرب سلبتها صادق وثلاثة آخرين. دموعها لمّا تجفّ طوال ثلاثة أعوام، فكلّ من قتل هنا تربطه صلةٌ ما بأم صادق.

البارحة شعرت بعظمة محبّتها لنا بعد أن استطاعت اصطناع ضحكة في وجهها، عندما ناديتها “ماما”.

حليب أم صادق كرابط الدّم

أم صادق أمّي الحقيقيّة .

المراجع   [ + ]

1.خزان إسمنتي يستخدم للري

عن كنان درخباني

كنان درخباني

كاتب سوري