الصفحة الرئيسية / نصوص / رأي / المئوية، وثورة المعاني الشاقة
الامبراطورية العثمانية أواخر القرن 16 . منشورة في كتاب: تاريخ الأقطار العربية الحديث: فلاديمير لوتسكي
الإمبراطورية العثمانية أواخر القرن 16 . عن كتاب: تاريخ الأقطار العربية الحديث: فلاديمير لوتسكي

المئوية، وثورة المعاني الشاقة

مقدمة:

يضغط العقد الثاني من القرن العشرين، على العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين بقوة. الحرب العالمية الأولى، تشظي الامبراطورية العثمانية، محاولات كولونيالية لترسيم خرائط المنطقة نجحت ولم تنجح، حق الشعوب بتقرير المصير، كلها أشباح مازالت تحوم فوق رأس الثورات العربية، وتهيمن بمختلف الذكريات والأحداث.

هناك عملية تصليب للمسار التاريخي بين ضفتي هذه المئوية تشدُّ النهايات إلى البدايات. إمّا على شكل الاعتبار، الحكيم من اتعظ بغيره!، أو على طريقة التاريخ الذي يكرر نفسه مأساةً فملهاة، وهذه لا تقل وعظاً وتنهداً عمّا سبقها. فمثلاً هل كانت لذكرى مجازر الأرمن أن تمرّ، ويكون لها هذا الزخم فقط لأن الرقم 100 ذو دلالة رمزية، إنما حدث ما حدث لأن التيارات السياسية المتصارعة في يومنا هذا (أي بعد 2011)، وجدت لنفسها “أصلاً”، ذا معنى، يعينُها على أن تواجه، وتشكّل خطابها، وإلا ستسلم رقبتها للعدم.

فهمٌ آخر لمعنى المئة أيضاً، نبّه على التجديد، لكن ارتباطَه بأجواء دينية وأسطورية صرفة حولَ الشخصية المجددة للدين على رأس كل مئة سنة، حجّمَ أيّ أهمية لهذا المعنى إلا عند الأتباع الدينيين. هؤلاء بدورهم اندمجوا باللعبة، مارسوا مكر الأحياء على الأموات، احتكروهم وصادروا حقّ الناس بالنسيان (الذي نصح به نيتشه).

إذن لا يشدنا الماضي إليه دون أن يدفع ضريبة تدخلنا، وتجييرنا له. هذا الأمر سيدفعنا لنعيد ترتيب مئويتنا، بما يليق بثوراتنا وخيباتنا معاً.

المئوية التي لنا:

كانت ثورة تركيا الفتاة 1908، ثورة “شباب” و”اعتدال” هي الأخرى، قبل أن تتحوّل لأعتى فاشية عسكرية في مطلع القرن العشرين. إذ سبقَ الانقلاب على عبدالحميد بعام واحد، تشكيلُ جبهة “غزل قومي” جمعتْ الاتحاد والترقي، مع طاشناق تزتيون، إلى قوميين عرب، بالإضافة لجمعية فوضوية صغيرة بزعامة الأمير صباح الدين تدعى جمعية التشبث الشخصي وعدم المركزية. أساس هذه الجبهة هو مبدأ تقرير المصير والاستقلال في نطاق الامبراطورية. لكن الآمال العربية بدأت تخيب، مع انتخابات مجلس المبعوثان، لدرجة حاول فيها عبد الحميد نفسه الاستثمار بهذه الخيبة، وكاد ينجح بالتعاون مع حزب الأحرار المعادي للفتاة لولا أن الجيش سيضع حدّاً لطموحاته، ويخلعه نهائياً 1909. عندها فقط، تلاشت تلك الجبهة، وانتهى عصر الجمعيات التي تتخذ الإخاء العربي_ التركي اسماً لها، لتأتلف القوى المعارضة للفتاة في تجمع الحرية والائتلاف، وترفع شعارات كردستان للأكراد، أرمينيا للأرمن، البلاد العربية للعرب. ويصير للجمعيات أسماء ذات دلالة قومية صرفة (القحطانية ردّاً على الطورانية، والعربية الفتاة ردّاً على فتاتهم التركية، أو ذات طابع سري عسكري مثل جمعية العهد). (1)تاريخ الأقطار العربية الحديث: فلاديمير لوتسكي. ترجمة عفيفة البستاني، دار الفارابي

نسيب البكري
نسيب البكري

أمّا بالنسبة للنُّخب النهضوية والسياسية العربية، فقد حسمت وتيرة الحرب العالمية الأولى خياراتها بشكل فج. الخيار الأول هو الدفاع عن امتيازات العهد العثماني بلغتها الإقطاعية، وبالتالي تبني أيديولوجيا الدولة في الخلافة والجهاد المقدس (مع ألمانيا ضد الحلفاء). مثّلَ هذا الموقف سليم الأطرش حليف العثمانيين في مراسلاته الشديدة اللهجة مع قريبه سلطان الأطرش ساخراً من اشتراك الأخير بجيش “علبة العطارة”، أي جيش الشريف حسين (2)جبل الدروز: حنا أبي راشد، مكتبة الفكر العربي 1961.. أمّا شكيب أرسلان فكتب مقالة بالألمانية (3)أورده عبد الله حنا، في كتابه العامية، نقلاً عن الشرق الجديد الجزء الثاني.  صبّ جام غضبه فيها، على الحركة النضالية التي جمعت سلطان الأطرش بنسيب البكري. وأقل حدّة كان عبد الرحمن الشهبندر، فقد حاول بين هذه وتلك، تلبية المطالب العربية في نطاق الامبراطورية العثمانية. في حين حزم محمد كُرْدعلي، صاحب جريدة المقتبس، المدافع الشرس عن الدولة والخلافة، حقائبه، وهرب إلى مصر، حيث سيلتقي غريمه القديم يحيى الأطرش “عدو الدولة بتوصيف أرسلان” (4)أبي راشد: المرجع نفسه.. ويفرطوها حبيّة. بينما ستشهد مصر بدورها، هجرة معاكسة، إذ يحزم الخديوي عباس الثاني، حقائبه، هو الآخر، ويلتحق بالمعسكر العثماني في الأستانة. الأمر الذي دفع بريطانيا لخلعه، وتولية أحد عملائها، من خارج أسرة محمد علي، مكانه. بالنسبة للخيار الثاني، الأكثر تفريطاً، والأقل مسؤولية، كان تعليق الآمال بشكل مطلق على تدخل غربي يضع لبنان وسوريا تحت احتلال فرنسي مثل (الجمعية الإصلاحية، وجمعية النهضة). فتمّ حظرهما (5)لوتسكي: المرجع نفسه..

محمد كرد علي
محمد كرد علي

بعثَ فيصل بن الحسين برقيته الشهيرة، إلى نسيب البكري، ذات الكلمات الثلاث، “أرسل الحصان الأشقر” (حزيران 1916)… من هنا. وبدأ الجيش التركي بقيادة الضابط الألماني ليمان فون ساندرس، بالتقهقر أمام ضربات الحلفاء… من هنا. وفي ذروةٍ وصل بها صراع العرب القومي، (ضد “أولاد جنكيز” بتوصيف فيصل)، إلى أشده، حاول سازنوف “وزير خارجية روسيا القيصرية” أن يقدّم اقتراحاً أشبه بالمسخ، عن إمكانية جديدة لتحالف قومي، يتولى فيها جلّاد النهضويين العرب، أي جمال باشا السفاح، سلطنة عربية من 6 ولايات، مقابل أن يفتح الجبهة للحلفاء (6)لوتسكي: المرجع نفسه.. فأرسل الاتحاديون، رداً على هذا، شخصين لاغتيال جمال في بيروت. لكنه علم بهم قبل وصولهم، ولمّا وصلا أعدمهما. كل ما سبق لم يدفع الفكرة إلى التلاشي، إذ بقيت محفزة لمخيلة أنور باشا، فعمل على توسيع الاقتراح بضم مصر إلى الدّق. بالعودة إلينا كعرب فإنّ تهويم الثورة، كان أثقل منْ جعْلِنا نلتفت نحو تهويم التحالف. ولم نتخفف قليلاً إلا مع اندلاع الثورة البلشفية، وكشفها – عبر نداء 3 ديسمبر الموجّه إلى كادحي روسيا والمسلمين – اتفاقية سايكس بيكو التي أنهت حلم الدولة العربية الموحدة. فتمّ التهديد بالردّ على الاتفاقيات، بعقد صلح عربي مع تركيا “حل إجرائي سريع”، لكن الوقت كان قد تأخر، والامبراطورية تفككت.

مأساة إبن العسلي، أو الفرقة غير الناجية:

شكري العسلي
شكري العسلي

يمكن قول الكثير عن حياة شكري العسلي بشكل عام، إلا أنّ الأعوام بين 1909، 1916 تعتبر نموذجاً لدرس لوحة الأيديولوجيات والمواقف ذلك الحين، بقدر ما تكثّف فيها سواء مسيرته السياسية أو حياته الشخصية. ففي السنوات السبع تلك سيشهد العسلي احتضار الدولة العثمانية أمامه، انطلاقاً من تأييده لانقلاب تركيا الفتاة، وانتهاءً بإعدام الانقلابيين أنفسهم له.

بداية الأمر وجد انقلاب الفتاة صداه عند فئة مثقفة ومتنورة، انتمى إليها العسلي، تسمى اصطلاحاً ب”أعيان المدن”، وصحيح ما يشاع حول تنعّم هذه الفئة بالاستقرار الاقتصادي زمن عبد الحميد (7)أعيان المدن والقومية العربية: فيليب خوري. ترجمة: عفيف الرزار، الطبعة العربية الأولى، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1993، بيد أن المعاناة الأشد حصلت نتيجة استبداده وظلاميته. تمثّل هذا عند العسلي بكتابته مقالاً بالأول من أيار 1909 في جريدة المقتبس بعنوان “حياة العرب بالاتحاد مع الأتراك” (8)شكري العسلي، مقالات ووثائق: تحقيق د.فندي أبوفخر، الطبعة الأولى، دار كتب، بيروت 2015 رحّب فيها بعودة الدستور وحرية الصحافة، وأبدى حماسه تجاه الأتراك معتبراً أنّ من يعاديهم يكون خائناً، كحزب الأحرار مثلاً، حزب “أرباب الرجعة” كما وصفه. لكن مساهمته عام 1910 بتأسيس جمعية المنتدى العربي (9)شكري العسلي: المرجع نفسه، دفعته بعدها للدخول في صدام مع الاتحاديين بدا واضحاً إثر فوزه عام 1912 بمقعد في مجلس المبعوثان (البرلمان) عن مدينته دمشق. واعتباره أحد الأعضاء المؤسسين لحزب الحرية والائتلاف في استنبول المعارض للاتحاديين.

في البرلمان حدّد العسلي خطوطَ مشروعه الوطني الجديد، إذ يمكن تحديده بأكثر من جهة. أوّلاً: السياسات الداخلية للاتحاديين، فقد اصطدم معهم عند اعتمادهم سياسة التتريك سواء في المدارس أو القضاء. ثانياً: حملة عنيفة ضد بيع آلاف الدونمات للمنظمات اليهودية في فلسطين حيث شغل منصب حاكم للواء الناصرة، بالتوازي مع انتباهه للسياسة الإيطالية قبيل استعمارها لليبيا. ثالثاً: من حيث علاقته بالتيارات النهضوية الأخرى، إذ اتجه نحو المناداة لعقد مؤتمر عربي في دمشق أو القدس. مع أن المؤتمر عُقِد نهاية الأمر بباريس، وحتى هناك لم يسلم، من تضييقات الاتحاديين.

لم يكن المناخ السياسي يسمح لشطحات العسلي بالاكتمال، فعدا أنّ الحرب العالمية الأولى حوّلت المنطقة لساحة حرب، جاء تنصيب جمال باشا والياً على الشام 1915 فاتحة لعهد التنكيل بجميع المختلفين معه، دون اكتراث لنسبة الاختلاف المتفاوتة. لاحت فرصة النجاة من بطشه للكثيرين كعبد الرحمن الشهبندر، في حين لم يتصور آخرون، ومنهم العسلي، بأن مصيرهم، إذا هم ثبتوا على مواقفهم، ليس أقل من الإعدام.

وبمشهد أقرب إلى سخرية الأقدار وعبثيتها، سيتم إلقاء القبض على العسلي أثناء قيامه بمهمة تفتيشية، فبدل أن يعاقِب قائم مقام أنطاكية، يقوم هذا الأخير بإلقاء القبض عليه، عملاً ببرقية تأمره بذلك، ويرسله مخفوراً إلى حلب (10)، ومنها إلى دمشق حيث نُفّذَ فيه وآخرين حكم الإعدام شنقاً، وما تبقّى من القصة… نعرفها.   

المراجع   [ + ]

1.تاريخ الأقطار العربية الحديث: فلاديمير لوتسكي. ترجمة عفيفة البستاني، دار الفارابي
2.جبل الدروز: حنا أبي راشد، مكتبة الفكر العربي 1961.
3.أورده عبد الله حنا، في كتابه العامية، نقلاً عن الشرق الجديد الجزء الثاني.
4.أبي راشد: المرجع نفسه.
5, 6.لوتسكي: المرجع نفسه.
7.أعيان المدن والقومية العربية: فيليب خوري. ترجمة: عفيف الرزار، الطبعة العربية الأولى، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1993
8.شكري العسلي، مقالات ووثائق: تحقيق د.فندي أبوفخر، الطبعة الأولى، دار كتب، بيروت 2015
9.شكري العسلي: المرجع نفسه

عن أنس الأسعد

أنس الأسعد

مدوّن سوري. خرّيج كليّة الآداب، قسم اللغة العربيّة، دمشق