الصفحة الرئيسية / تجريب / مِحجَرُ عَينْ
اللوحة للفنان محمد المفتي

مِحجَرُ عَينْ

“لم أكن أرغبُ أن أكون هكذا، كنت أحلم بقبضةِ فارسٍ نبيلٍ، فارسٍ يبارز بأخلاقٍ، أو أن أكون باباً لحانة، كنتُ أحلم أن أكون واجهةَ عربةٍ لنقل الرّكاب، أسمع أغانيهم المكتومة، وضحكاتهمْ الممتزجةِ بالحزن، كنت أرغبُ أن أكون قطعةً نقديّة، أصنع ضحكةَ طفلٍ في عيدٍ، أو يومٍ عابرٍ، أصنعُ فرحاً لا موتاً.”
قالتِ الشّظية التي استقرّتْ في جسد طفلٍ لم يبلغِ الفطامَ بعد، وأخرجها الطبيب ذو العين الواحدة.
“لم تكنْ تنوي افتعالَ الحرب، كانت مجردَ عبارةٍ أطلقَها صِبيَةٌ في مقتبلِ العمر، كانت كلمةً مزدانةً بألْفِ وردةٍ، وألْفِ أملٍ مخبَّأ، كلمةً تعلو مع نسيمٍ قادمٍ من أحلام الجميع بسعادة وأعيادٍ حقيقية، تهوي مع مطرٍ، ليصنع خيراً لبشرٍ من خيرٍ حقيقي وحبّ.”
قالت الحرية وقد هَوتْ أعلاماً فوق أجسادِ محبّيها وصنّاعها الحقيقيّن.
الطبيب لم يكنْ فيه عيبٌ قبل هذا كلّه، كان مجردَ طبيبٍ أمضى نصف العمر في التّخصّص الذي باتَ يؤرّقُه في كلِّ ليلةٍ يرى فيها وجوه الرّاحلين، وأشلاءَ أحِبّةٍ له، لغيره، أحبّةٍ لا يمكن أن يكونوا سوى كوابيسَ تزيد آلامه كلّما أطبقَ جفنيه على الكرتون المقوّى الذي صار سريرَ راحتهِ الوحيد.
نما له جناحان بعد هذه السّنوات، كان يَعدُّ أيّام تخرّجه لفتحِ العيادة، والزّواج من “فاطمة ن”، والتي خَاط جروحَ رأسها بيديه، كعمليّة ترميمٍ أخيرةٍ لجثّتها قبل عناقِ التّراب المكرَّر، وَعَدَها بطفلين وأختٍ لهما، وحديقةٍ لتزرعَ بها أزهارَ الجوري والحبق، أصبحَ ملاكاً موغلاً في الجمالِ حتّى أصبح قديساً، وضع الحبقَ فوق قبرها، وعاد لمتابعةِ عمله في مساعدة الجرحى والقتلى وفاقدي الأمل، كان يرمم الأمل في قلوب الجميع.
كان الطبيبُ يحاولُ جاهداً إخراجَ الرصاصة من قدمِ صديقي الذي لا يريد سوى العودةَ إلى الملاعب، بَاغَتَتنا سيولٌ من الرّصاص، قتلَتْ الحلمَ بكرةِ القدم، وبإخراج الرصاصةِ، وحلمِي بأن أمشي على خطّ الجماهير موجّهاً صاحبي في الملعب، وقَتَلتْ سيولُ الرّصاصِ، فيما قَتلتْ حينها، طفلةً صغيرةً في مِحجرِ قدّيس القرية، أصبح بعينٍ واحدة، وأصبحت بصديقٍ واحد. كلُّ شيءٍ أصبح واحداً كالموت، حتّى القبور صارتْ بيتاً واحداً لمن سبقنا، ولمن سيلحقهم. تابعَ عمله، طبّب جراحاً لا تعدُّ، رمّم جثثاً بحجم هاويةٍ، ساقتْ إلينا الشّظايا والبراميل، تابع حياتهُ كشخصٍ بلا انتماءٍ للمشاعر، فَقَدَ غصّتهُ القديمة حين كانتْ “فاطمة” تمسحُ دموعهُ عندَ رؤيَته لجثّة طفلٍ، أو ساقِ صديقٍ مبتورةٍ مع أحلامه، فقدَ إحساسه بالمكان، أصبح في داخله مجرَّدَ حفّارِ قبورٍ وموَاسٍ لمُفارقِين، لم يعدْ له ذلك الجناحُ البهيّ.
اعتَدْنا الموتَ، فاعتَدْنا دورَهُ كرديفٍ لحزننا، لم يعدْ الفرح يصبّ علينا كما سابقاً، مع المطر، مع الثّمر، أصبحتِ الينابيعُ حِمَماً وقذائفاً، ومحاجرَ أعْينٍ لا ترى سوى الموت.
قرّرتُ الرّحيل، أتيتُ لكي أودّعه،
“يعزُّ عليَّ فراقُك” قال لي قبلَ العناق.
لم تُسعفني الكلماتُ، بكيتُ، شتمْتُ الآلهةَ والحروب، والأشلاءَ.
منذُ زمنٍ لم أرَ ضحكةً في هذه الشّوارع، كان يضحكْ، وأسعدني بقدرِ ارتباكي، حينَ همسَ لي كعادتِه حين يريدُ أن يخبرني بأنّ للجدران آذاناً لنضحك:
“اذهبْ وتعلّم لغةً أخرى، قضيتُ سنواتي في تَعلُّم لغة الموتى، لكي أعيدَهم، ولم أستطعْ، لعلّك تجدُ حبيبةً هناك، تقرأ عليها أشعاراً عن النّصر والحبّ، واحذرِ المسخَ الذي في دواخلِنا، لربّما يَنبتُ لكَ جناحان من جهنّم، فتعودُ قاتلاً، كما أصبحتْ الشّظايا وكلماتِنا المسروقة”.
كانتْ تلكَ آخر مرّةٍ أرى فيها القرية، والحبق، ودَّعتُ المقبرة والقدّيس، فكلُّ من أحبهم ناموا في محجرِ عينهِ التي فَرِغَتْ كالمدينة، فوضعَ مكانَها شتلةَ حَبقٍ، وشاهدةَ قبرْ.

عن محمد حاج حسين

محمد حاج حسين

كاتب سوري