في المشمش

سالي مان/فوتوغراف/1992

/1/

كنت طلبت من صديقتي المؤمنة اصطحابي إلى قداس دفن المسيح. لم أدخل الكنيسة لحضور قداس إرادياً منذ زمن بعيد. أصعد جنبها في سيارة “الأونروا” التي أسميها الدبابة لكبر حجمها. تقودنا مسرعة إلى حضرة الرب.

كأن الوقت تسمّر. وجوه العجائز نفسها تبحلق في الداخل والخارج، تعطي إشارة القبول أو الرفض. نجلس في مقاعدنا وتبدأ راهبة الوردية بصلوات ما قبل القداس ليكف الناس عن الثرثرة. كما قبل ثلاثين عاماً، أخاف الراهبات، “راهبات الوردية” خاصة. فأنت لا تعلم متى ستفقد واحدة منهن عقلها لتصفع أحدهم كفاً بلا إحم ولا دستور.

كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب

كيف صارت كأرملة العظيمة في الأمم

السيدة في البلدان صارت تحت الجزية

تبكي في الليل بكاء ودموعها على خديها

ليس لها معز من كل محبيها

ازدحم المكان أسرع مما تخيلت. دخل الكشافة في محاولة لفرض نظام ما. لحظات ويبدأ القدّاس. فوضى. أتفحص الزاوية المخصصة للجوقة لأتأكد من وجود “ميس لوريت”، فيروز مدينتي.

آه هي هناك! تشبه نفسها قبل أربعين عاماً. نفس الأيقونات أيضاً. أراني شبلة في الكشافة أنتقد الكاهن كلما قرأ نصًا يذكر فيه إسرائيل.

يا أورشليم

يا أورشليم

ارجعي الى الرب إلهك

بخشوع تام تتّبع صديقتي القراءات والمزامير. يضاف كرسي بلاستيكي بجانبي. يلتصق بي مصلٍ جديد. يعطس في يده مرارًا. أصلي ألا يطلب الكاهن منا مصافحة بعضنا البعض. أركع هربًا من الاحتمال. أفكر في “الإيبولا”، كيف يمكن أن تقضي على جميع المؤمنين.

أنا هو الرجل الذي رأى مذلة بقضيب سخطه

قادني وسيرني في الظلام لا نور

أبلى لحمي وجلدي

كسر عظامي

بنى علي وأحاطني بعلقم ومشقة

في وعظته يحث الكاهن الرعية على حمل صليبها. يذكر داعش مراراً: ”داعش تكسر صليبنا ولكن في كل واحد منا داعش صغير”. أبونا! أبونا لحظة، شوف، تفرج علينا، كل واحد منا يحمل صليباً أكبر وأثقل مما يحتمل. يتابع الكاهن: “كل واحد فينا يرفض الصليب”. أبونا! أرجوك أنا مش داعش. ولا في داخلي داعش صغير. يكمل: “كل واحد فينا يرفض الألم”. أبونا، أرجوك أبونا. استنى شوي. ما تخلط شعبان برمضان…

يا شعبي

ماذا صنعت بك

وبما أحزنتك

أجبني

يستعد الكشافة لحمل تابوت المسيح والقيام بجنازة رمزية في ساحة الكنيسة. يتجمع المؤمنون حول التابوت ويخرجون. تفرغ الكنيسة إلا من بعض العجائز وصديقتي وأنا. صوت خافت ينادي اسمي.

“كيفك”؟

“عرفتك من عيون أمك.”

“كيف الخليج”؟

“بس ولد واحد عندك”؟

“تزوجوا خواتك”؟

تقترب منا راهبة الوردية. يخفق قلبي بقوة. تذكرنا بصوتها الصارم إننا في حضرة المسيح الرب. أشكرها لإنقاذها لي من كل قلبي.

أنا الأم الحزينة

وما من يعزيها

تقرع أجراس الحزن. يعود موكب الجنازة إلى الكنيسة.

يتصدره علم فلسطين ونساء يلبسن الأسود. يتجمهرون عند الهيكل. وهي اللحظة التي ينسحب فيها ممثل السلطة الوطنية ومستشاره. يعلن الكاهن دفن المسيح.

طرق أورشليم نائحة

وجميع أبوابها متهدمة

كهنتها متنهدون

وعذاراها متحسرات

وهي في مرارة

يتدافع المصلون لأخذ الورد عن تابوت المسيح. “أنا كنت بنت الرعية”: هكذا أعرف نفسي للكاهن وهو يعطيني وردتين. يدعوني لصلاة الغد الساعة السابعة مساء. أبتسم، أو نبتسم.

ألحق بصديقتي قبل أن تغادر بدبابتها الأممية. تسألني عن شعوري. أعترف إنني سعيدة بدفن المسيح.

هذا هو اليوم الذي صنعه الرب فلنفرح ولنتهلل به.

/2/

في البدء كان المشمش

البيت الأول

صليُ الأرض

وأصوات “الطزيز“

في المشمش

أول الصيف وقصص الحب الأفلاطونية

كلاب الحارة المتعبة وجيرانها المزعجون

في المشمش

صباحات خضراء صفراء عسلية

وبائع البوظة المتجول ينادي وقت العصر

رائحة السكر يحترق

أطفال يلهون في تراب

وأمي تعد القهوة

والحليب والشاي

أمي دائمًا

أكبر الخيانات وأعنف الخسارات وأطول اغتراب

في المشمش

/3/

كنا وكأنه من زمان

نلعب “أميرتي”

أحط لك مكياج

وألبسك وردًا وخرزًا

ثم آخذ لك صورة

كنا نقعد على مرجيحة بلكوننا العالي

أنت حاملة الناضور

وأنا مسطّلة بالمنظر

كنا نراقب سطح حبيب متخيل اسمه “طيزه قمر”

كنا نلقط حَنّونًا ووردًا أصفر

كنتِ حافية

وبين العشب كنا نخفي أسرارًا

كنا نحكي لحد ما الديك يزهق ويصيح

والشمس تطلع من البحر الميت ورطوبة البلد تبلّل حراماتنا

كانت تلال قشر البزر ووتيرة تقشيرها على طاولة المطبخ مقياسًا لحجم مواضيعنا:

الوظيفة: أوقية

العائلة: أوقيتان

الحُب: كيلو + ألواح شكولاته

كنا نلعب “أميرتي”

وأصورك

/4/

ندرك جميعنا أكبر الاحتمالات

صديقاته ينذرن صدورهن وأفخاذهن مدى الحياة بشرط ظهوره

“ستكون أمي أجمل اللاجئات إذا أُجبِرنا على الرحيل” هكذا ذكرهن

تصغر الشاشات ويكبر العبث

فليسقط الطاغية

/5/

صباحات خضراء صفراء عسلية

في المشمش

رائحة السكر يحترق

أطفال يلهون في تراب

وأمي تعد القهوة

والحليب والشاي

أمي

في المشمش

أمي دائمًا

….

هامش: يمكن الاطلاع على الديوان كاملًا في مدوّنة “ختم السّلطان-www.yrakha.com

عن كارول صنصور

كارول صنصور

كاتبة فلسطينيّة مقيمة في أبو ظبي