الصفحة الرئيسية / تجريب / خرائطنا المقصقَصة
لوحة للفنان امجد وردة
مقطع من لوحة للفنان امجد وردة

خرائطنا المقصقَصة

من النافذة الخلفية
لنجاة عبد الصمد
خاص بدحنون  
 

لم يشأ صوتها أن يصغي لأطيار القلق العابث في رأسي حين استوقفتني هندُ على الطريق المرضوض تحت زخّ المطر، ولم تنطر ردّي على صباحها الباهر السخونة. بادرت تروي لي عذابها قبل الحصول على موعدٍ لدى حلاّقها “النجم” الذي أبدعت أنامله تسريحةً طازجةٌ ستعلي مقامها في الفطور الخيري هذا الصباح، ثم سألتني (ببراءةٍ) عمّا أخرجني من بيتي باكرا، وأخيراً أبلغتني أمانةً شفهية من أخيها: أخوها يتابع ما أكتب، ويعتقد أنّ مخّي شبهُ نظيف؛ لكن: ينقصني الجنون! أضافت هند من مخزن رأسها جملةً أخيرة: أنا لا أقرأ أبدا. أنا لم أفهم ما قصده أخي، لكنها أمانة !

لم نلتقِ أنا وهند، ولم تصلني أخبارها منذ افترقنا عن مقاعد الدرس: هي إلى عشّ الزوجية السعيد، وأنا إلى شغب الحياة… شغبٌ مستبدٌّ حرمني من جنونٍ أشتهيه ولا أطاله. يعوزني الآن هذا الجنون، الآن بالذات؛ علّه يسكب في رأسي بديهةَ الأجوبة الفضفاضة حين لا يحضرني ردٌّ مؤدّبٌ على رسالة شفهية من شخصٍ لا أعرفه. وحده الجنون كان سيسأل هند: وما الذي أخرجكِ أنت من بيتك؟! كان سيدنو من أذن هند يوشوشها: فخامة هندامك خانقة لأنفاس هذا المطر. كثبان الماكياج على وجهك دبقةٌ في هذا الصباح العاري، ضحكاتك المنسابة هكذا، من غير احتساب أو حتى سبب، تلطم سمعي بعصفٍ أقوى من صرصرات الريح الضارب في عرض البلاد وطولها…

افترقنا أسرع ممّا التقينا، وتابعتُ وهجَ مشيتي اليومية  إلى عملي. أرجو لو تطير هند من رأسي ويسكنه المطر. مطرٌ يصبّ ولا يستجيب لضراعة المداخن الصامتة، وبردٌ يثقب صبري وصبرها ويوغل في عظامي وفي تنكها الصدئ. لكنه أرحم من تسريحة هند، وأرحم من إطلالة ابن خالي الذي انبثق أمامي فجأة على الطريق، فهبط بي من كوكب شرودي إلى حضن عينيه. صباح الخير يا قريبتي! صباح الأرحام الموصولة صدفة على الطريق. يااااه كم مضى على مصادفة لقائنا الماضي. فرحة عينيه أوسع من وجهه السمين، ومن أكتافه المتباعدة، ومن كرشه المدلّل كجرّة غاز. سألني من دون مقدمات: كيف تنحفين؟ لم تكوني هكذا جميلة منذ سنة! تلقائية سؤاله كسحت إسراعي لإنهاء اللقاء بالضربة القاضية. لم يربكني السؤال فقط ؛ كدت أضحك واستحييت(هنا أيضا يعوزني الجنون). كدتُ أتجاهل السؤال و أستودعه الله والرضى، لكنه استأنف سؤاله ببراءة مراهقٍ تحت شباك محبوبته: بالله قولي لي كيف؟! بلعتُ ضحكتي وحنقي، وأجبت بشفاهٍ محايدة: الأمر بسيط؛ آكل قليلاً وأمشي كثيراً! بحلقةُ عينيه أوحت بعدم استيعابه. بدأ سرده المتأنّي (سرده يليق بصديقتين مسترخيتين في كافتيريا خافتة الأضواء، ودافئةٍ جداً، تبوحان بأوجاع حبٍّ ظالمٍ، وتتنهدان على صدى تأوهات كاظم الساهر المنبعثة من جهاز الصوت في ركن الكافتيريا):

أما أنا فقد راجعتُ طبيبي عشرين مرّة ليختار لي ريجيما مناسبا. لم ينفع معي أي ريجيم. أكّد لي الطبيب أنّ حالتي واحدة من مائة ألف حالة: فالحزن يجعل هرموناتي تشتغل عكس السير. الحزن يجعل هرموناتي تحقنني بالشحم! والله يئست. أنت طبيبة قولي لي ماذا أفعل! في سرّي ضحكتٌ كما لم أضحك منذ شهور، وفي علني تماسكتُ ومضيت…

كنتُ قد ابتعدت عنه قليلا حين أتاني صوته من خلفي يحذّرني بحنان أخ حكيم: لا تمرّي من هذا الطريق، للتوّ نبّهني صديقي في الأمن أنّ سيارة “كيا ـ ريو” سوداء مفخخة سيفجّر الإرهابيون أنفسهم فيها  قرب مركز الشرطة، أنا قادم من هناك ، رأيت قافلة الأمن صاحيةً بكلبشاتها، ودروعها الزجاجية، وعصيّها الكهربائية، وباصات الترحيل إلى السجن. عين الأمن صاحية، ولن يتمكّن منّا الإرهابيون ـ قال.ـ لكن: من باب الاحتياط لا تمرّي من هناك!

يعوزني الجنون. يعوزني ليرفعني إلى بلاغة منطق ابن خالي، ليزيّن وجهي ببعضٍ من بلاغة الضحكات على وجه هند، أوـ على الأقل ـ ليشرح صدري بقبس من نور مدينتي التي تشتري جنتها  بفطور خيريّ يأخذها إلى النعيم قبل أن تعود البلاد من حجها إلى الجحيم…

26/12/2012

 

الصورة: مقطع مأخوذ بتصرف
عن عمل للفنان أمجد وردة
منشور على مدونة الفن والحرية

عن نجاة عبد الصمد

نجاة عبد الصمد
طبيبة جراحة وكاتبة. صدر لها في الترجمة عن الروسية: مذكرات طبيب شاب (قصص). الشباب جسد وروح (كتاب طاولة). بلاد المنافي (رواية). غورنيكات سورية (مرويات).

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.