الصفحة الرئيسية / نصوص / شهادات / مذكرات أحمد سويدان / تاريخ من لا تاريخ لهم – 9

تاريخ من لا تاريخ لهم – 9

أحمد سويدان

 

 

اليوم السابع 7/2               

يمر الأسبوع خلف الأسبوع والشهر وراء الشهر كمثل الحلم ، والأحداث حولنا كثيرة .. متتابعة تمر وتخلف ضجيجاً ونقاشاً. تمر نوبات من البرد الشديد ونرى من وراء الشبابيك نتف الثلج، ونسمع عواء الرياح يتردد، فيقطع تسلسل الحديث والنقاش ..

إن هناك نزق داخليٍّ لدى كل واحد منا وتؤازر الطبيعة السجن فالجلوس المتواصل في هذا المهجع هو الدفاع الوحيد ضد البرد وضد هذا السجن.

إننا نحاول الحياة ضد أسباب الفناء المحيطة بنا. يعمل الصقيع من الجسد إلى النفس يلاحقهما يمزقهما ويسد طريق الحياة . يحاول منع التنفس . ورغم ذلك نلاحق الإذاعات، نستمع إلى إذاعة لندن ونقول: إنها – مذ وجدت – تخدم الدولة الاستعمارية الأعرق في العالم، فهي مضللة تبدو كأنها مع قضاياك وهي ضدها . أما إذاعة “مونت كارلو” فهي أكثر حرارة , وتبدو أنها مع العرب ولكنها مع الثقافة الاستعمارية . و”صوت أمريكا” تحاول أن تشرح وتعلّم الديمقراطية.

ربما توجد في هذه الدولة التي تحاول أن تكون وريثة الاستعمار بعض ملامح الديمقراطية في القضاء، في البلديات، ولكنها تكذب على العالم أنها ضد الدكتاتوريات في العالم . إنها تدعم مصالحها ولا يهمها النظام. لقد كانت داعمة لنور السعيد وشاه إيران وماركوس وضياء الحق ضد شعوبهم، وهي مع النظام السعودي وهي مع حافظ الأسد. ومع مبارك وليست ضد القذافي ولا ضد الأنظمة الأخرى ولكنها ضد الشعوب. هذا العالم الحضاري الذي نهضت به الطبقة الوسطى والتي كانت وراء الدولة المدنية والفكر الحر والحوار الفكري وتقدم العقل وانحسار المؤثر الديني. هذا العالم ظل فوقياً واستعماراً تجاه الأمم الأخرى وغير إنساني، وكأن الحضارة والتقدم العلمي يبرر الاعتداء على الأمم الأخرى وسحقها وإلغاء وجودها وحضارتها من هنا نفهم حرب الخليج ونفهم ماذا تريد أمريكا وانكلترا المؤيدة والغرب المتباكي وهذا يقودنا إلى فهم الدور المنوط بإسرائيل الجالسة على صدورنا وقلوبنا.

اليوم الثامن 8/2               

حياتنا ملأى بالقلق والاضطراب والعطب، لقد نخر السجن أعماقنا وعندما يقيّض لإنسان من الخارج أن يستمع إلينا يخيل إليه أنه يستمع إلى أناس غرباء من عصر غير هذا العصر. لقد سخنا وساخ السجن وتطاول الصدأ على الأبواب، وعرّش فوق القضبان والزوايا والألسنة. عندما نرى عصفوراً نزداد عجباً، وعندما أشعة الشمس تتسلل إلينا نشهق ونستيقظ من موتنا.

السجين طفل يضحك بلا سبب , ويبكي بلا سبب , ويغضب بلا سبب . محاولات لدى السلطة لمحو الذاكرة ومحو التوازن ومحو الرأي، وقد حققت هذه المحاولات جل أهدافها .ولكن الكواكبي رحمه الله صاحب “طبائع الاستبداد ” الذي قارع استبداد عبد الحميد يؤكد أن الاستبداد ينهك البلاد ولا بد من رحيله والشعب هو الباقي.

إننا منطرحون على الأرض ومتكومون كما الفواكه في البرادات . صحيح أن الفواكه لا تفقد شكلها لكن مذاقها يذهب وطزاجتها تزول . نحن مثل هذه الفواكه.

 مظلم هذا السجن , وكل السجون التي مرت علينا . لكن متى كان السجن منوَّراً ومشرقاً وخاصة ” شرقي المتوسط ” .

طرح أحد الشباب أن المستفيد الأول من حرب الخليج هذه هي إسرائيل قائلاً: يرفض العرب المتعاملون مع أمريكا ربط حرب الخليج بالصراع العربي الإسرائيلي، وكان هذا الربط يعقر ظهورهم. لقد ظهروا وكأنهم أبطال تحرير. هؤلاء أصحاب التوازن مع العدو وهم –والله- العائق لشعوبهم لخوض معركة التحرير. لقد بدأ يطفو على السطح الحلف العربي – الإسرائيلي الأمريكي ضد العراق وشعبه . وقد انضمت انكلترا لهذا الحلف للسطو على نفط العراق ثم التحق كل الغرب بهذا الحلف . وأما الاتحاد السوفييتي فيبدو عاجزاً بسبب “رسن” إعادة البناء والديمقراطية.

اليوم التاسع 9/2     

اليوم زارتني الصديقة القديمة والزوجة المخلصة افرنجية بوجهها الشاحب وثباتها وتطلعها الحزين. كانت ترتجف برداً وغيظاً، لقد انتظرت عند الباب الأسود أكثر من ساعتين ونصف، ثم مشت مسافة نصف كيلو متراً، وصعدت أكثر من عشرين درجة حتى وصلت غرف الزيارات في جو بارد. سألتها عن الحال، أجابت : لا بأس. وفهمت من نظرتها وحركة حاجبيها أن التعليمات تؤكد على التكلم فقط في الصحة والعافية والأمور البيتية. قالت: – إن مواداً كثيراً قد منعوا دخولها كاللبن والمكدوس، سألتها عن الأولاد، أجابت: – أن رجل البيت هو قصي البالغ من العمر خمسة وعشرين عاماً وهو يعمل و وأن خزامى قد سجلت بالمعهد الرياضي وتمت خطوبتها لشاب من دير الزور يدعى مازن العاني . أما ريما التي تركتها ذات تسعة أعوام فهي تستعد لتقديم امتحان الثانوية . وعن البيت قالت:  إنه خال من المستأجرين لكننا عندما نشعر بالضيق نؤجر غرفتين منه أجراً سياحياً لمدة معلومة، سألتها:  هل تذهب إلى الضيعة ؟ .. قالت:  يعاني الريف من العوز.

عندما قرأوا إسمي كي أستعد للزيارة كنت أقرأ كتاباً يقارن بين تولستوي ودوستوفسكي، والفرق الاجتماعي بينهما وما الفرق بين رؤيتهما، عنوان الكتاب: “الفن والمجتمع عبر التاريخ” . أما الثاني لأرنولد  هاوزر ترجمة د. فؤاد زكريا .. يا له من تحليل مشوق، هذه الكتب تخرجني من السجن.

اليوم العاشر 10/2   

إن انتقال الأخبار بين المهاجع يتم بشكل مثير .. أحدنا قال: – إن الموقف السوري منضو تحت الخيمة الأمريكية، آخر قال: ليس ذلك غريباً , فحافظ الأسد جاء إلى سدة الحكم بتفويض أمريكي , ودخوله إلى لبنان كان بضوء أخضر أمريكي، وللقضاء على حركة التقدم التي تشكلت من الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي والحزب القومي السوري، بالتعاون مع ياسر عرفات لدحر الكتائب . ليس غريباً أن يسكت الإعلام الأمريكي ومعه الإعلام الأوربي إلا ما ندر عن مجازر حماه ومجازر سجن تدمر …

أظن أن الإذاعات التي تؤيد العراق وتشجعه هي إذاعات مشبوهة، ما يثير كذلك هو السكوت التام عن ممارسات النظام السوري . لقد تكلم تقرير لجنة حقوق الإنسان عن هذا النظام وأدرجه في القائمة السوداء .. البعض يرى أن العراق يقود حرباً ثورية ضد النفط الخليجي والسعودي وضد أمريكا وضد أعوانها.

اليوم الحادي عشر 11/2 

في هذه الأيام حياتنا مضطربة قلقه ملأى بالترقب، وكذلك ملأى باليأس . عندما اعتقلنا في نيسان 1982 كنا نعتقد أن هذا النظام سيفرج عنا قريباً، وكما قال المحققون أننا لن نتجاوز الأربع أو الخمس سنوات، وهكذا مضت آلاف الأيام والآن تجاوزت الثلاثة آلاف يوماً . ومنذ جرى احتلال الكويت وضمه، استقر رأينا أن سجننا يمتد للأبد، فالنظام لا يتعرض للضغوط وحرب الخليج قوَّت من عضده. والشرق مع الغرب صامت على ممارسات النظام في لبنان.

البعض لازال يتكلم عن العراق الثوري والبعض يقول أنه لو تبين لأمريكا واحد بالمئة أنها تخسر الحرب لما خاضتها بمساعدة أوربا وأكثر دول العالم مع عرب الخليج ونفطه والمملكة العربية السعودية ومؤازرة مصر.

الذين يدافعون عن النظام العراقي ويعتبرونه قيادة صالحة للثورة كوضع وثورية هوشي مين في الفيتنام، أو ماوتسي تونغ في الصين ينسون أن كلا النظامين انتصرا على الاستعمار بفعل التلاحم المصيري بين الشعب وبين قيادته. هذا الأمر ليس لدى صدام حسين ولا حافظ الأسد ذرة منه إنهما نظامان جاءا بموافقة أمريكية وقد دعمهما المال النفطي المرتبط بالبورصة الأمريكية وأقاما –كلاهما- سداً منيعاً بينهما وبين الشعب.

النظام السوري في شباط 1982 قتل ما ينوف عن ثلاثين ألفاً دون أن يرف له جفن لكي يبقى في الحكم وينجز برنامجه المعادي للقمة العيش وللوطن , وهو يفرض بالحديد وبالنار أن يخلّد الشعب ذكراه وحكمته وعقلانيته.

هذه الأنظمة الفردية والشمولية والقاهرة والمدمرة لأرض وطنها وشعبها، الذي لا يزال يعيش على التواكل , لا يمكن لها أن تخوض حرباً شريفة لصالح الشعب والوطن.

عنّا أحمد سويدان

أحمد سويدان
أديب وصحفي متقاعد من مدينة السلمية، معتقل سياسي سابق لمدة إثنا عشرة عاماً ونصف 1982- 1994. أصدر بعد خروجه من المعتقل ثلاث روايات قصيرة: الزمن العقاري، كذبة نيسان، ومرآة الأنام، حيث تمكن من إعادة انتسابه لإتحاد كتاب العرب، بالإضافة لمجموعة قصصية عن مدينة السلمية بعنوان "خيوط تقطعت".