خيوط الشمس

الجرس

جفرا سيف الدين

 

تعفنت الصبارة الحمراء الصفيرة، فأطلت ديدان كثيرة مرحة برؤوسها البيضاء من التربة في الأصيص على شباك المطبخ..
لثلاثة أيام، اختفت الشمس وراء سحب الخريف الكثيفة التي ملأت الخاطر بثقل شتاء طويل قادم.

بدا المدى الرحب بأسره متلبد، وأسدل ستارا رماديا على الشوارع فبدت باهتة كأن الدنيا لم تعرف شمسا قط، وكانت الأشجار الشبه عارية، متهدلة، موحشة وﻻ توحي بصحة جيدة، مثقلة بالرطوبة كأنها كفت عن أن تكون ذاتها وتحولت إلى خيالات مستسلمة للعبث، مستكينة له على غير طبيعتها وفاقدة لحرارة ﻻزمة لتبقى واقفة. وكانت وجوه المارة ملفوفة بضيق عنيد ومهمومة كأن البشرية كلها سقطت من رحم ما إلى بركة الوحل نفسها..

وجوه مظلمة، تظهر، تمر، تختفي.. هل كانت تختلف بعضها عن بعضها الآخر؟
صدحت أغاني الميلاد بعيدة يحملها الهواء البارد، معلنة عن بدء حصار مبكر جدا تفرضه روح العيد على أرواحنا حتى نهاية موسم التسوق..

مشيت لما يقارب الميلين قبل أن أشعر بوخز بارد في أصابع قدمي فقد كان ماء البرك الكثيرة التي تركها المطر على الطريق قد تسرب إلى حذائي. تسلق البرد عمودي الفقري فغطست رقبتي في المعطف بحركة ﻻ إرادية.. وعندما تبللت وﻻعتي بدأ الإنتحار يبدو رومنسيا قليلا وأقل حماقة..

كنت قد قررت قطع مشواري والعودة إلى البيت وأنا أشعر بضيق في صدري وأفكر ببيجامتي الزرقاء التي أرتديها في مثل هذا الوقت من السنة وأنا ألتهم ألواح الشوكولاته في إجراء وقائي ضد الإنفلونزا والاكتئاب، عندما غطست قدمي في بركة ماء أخرى وحلق غراب على مقربة، بعد أن تفادى بمناورة استعراضية، الاصطدام بغصن شجرة صنوبر فتية على طرف الشارع، ثم حط برشاقة وقحة، على أكبر الأغصان. حك صدره المنتفخ بمنقاره الملتمع سوادا ثم نفض أجنحته مادا رقبته قليلا إلى الأمام بترقب شديد، كأن اللحظة كانت مناسبة لوقوع معجزة، ثم فقد اهتمامه وطار مجدا.

للحظة واحدة فقط، توقف المطر الخفيف الذي ملأ الهواء برطوبة خانقة، ثم انفجرت الغيوم ففتح شباك صغير، في السقف الرمادي الواطئ الذي جثم على الدنيا، سامحا لأشعة شمس رقيقة بالتسرب. نزل شلال الضوء الدافئ من أعلى كأن خرافة سماوية أرادت غسل الأرواح البائسة بحمام ضوئي.

زقزق عصفور كأنه أكمل حديثا غير منتهي مع شجرة التوت البري، الوحيدة من نوعها في الشارع، على عجل وقلب صفحة الكون.

أي أحداث تقع أحيانا فتقرع الجرس..

تغير المشهد بكامله. أطاحت أشعة الشمس، بالظلمة وخلخلت وجود الكون الذي كان حارسا على غيابها.
انطلقت ظلال ﻻ حصر لها من جذوع أشجار الصنوبر المصفوفة على جانبي الطريق وغمر الضوء الشارع برقة.. (1)جعل الضوء كل شيء ملكا له.

انعكست الغيوم على سطوح البرك الكثيرة بوضوح فتحول الشارع الى حقل قطن مضيء..

انقضت مسحة العطف الكوني تلك بسرعة تاركة المكان لهمومه، وأغلق الشباك. لكن شيئا ما انطلق في الهواء، له رائحة كثيفة تكاد تكون ملموسة. شيء ما جلب المعرفة، معتمدا ﻻ على الوعي العميق بالحياة بل على اشراقة مؤقتة نائية تطرد الظلمة، (2)مثلما يقضي ضوء ناء في مستنقع مظلم، على ظلام يترامى بلا انتهاء
ﻻ تكف الأحداث عن الوقوع، فتجعل الجرس يقرع ويمضي الجرس بالقرع إلى الأبد..

المراجع   [ + ]

1.جعل الضوء كل شيء ملكا له
2.مثلما يقضي ضوء ناء في مستنقع مظلم، على ظلام يترامى بلا انتهاء

عن جفرا سيف الدين

جفرا سيف الدين
كاتبة من سوريا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.