الصفحة الرئيسية / تجريب / نزعاتٌ رحيمة
نزعاتٌ رحيمة
الملاك الساقط - جان ميشيل باسكوا 1981

نزعاتٌ رحيمة

كانتْ صَفعَةْ:

يَومَها لم أمُتْ دفعةً واحدةْ
كُنتُ أموتُ مُنذُ وُلدتُ،
لَحظةً بِلحظةْ،خليةً خليةْ، هزيمة ًهزيمةْ، فَشلاً فَشلاً،شعرةً تَشيبُ تِلو الأخرى.
أموتُ بجُبنِ ونَذالةِ مُوافَقتي على دُخولِ لُعبةِ الحياةْ،
بعدَ أوَّلِ ضَربةِ كفٍّ عَلى ظَهري من يدِ “القَابِلةْ”،
لكي أتَنشَّقَ عفنَ البشرِ، هَواءهمُ الملوَّثَ بالأملْ
إكرَاهَهمْ أن تعيشَ مِثلهُمْ، في الهواءِ بدلَ الماءِ،
ماءِ الرَّحمِ الدافئِ اللذيذِ،
كانَ لا حَولَ لِي حِينها، كنتُ طفلاً.
مُكرهاً، حَاولتُ تنفُّسَ الحياةِ،
بنَفسٍ خاصٍّ لا يُشبهُ أنَفاسهمْ، وإذْ بي، أُجبُر على استنشاقِ هَوائِهم العامْ
ضَربةً بِعدَ ضربةٍ، على ظَهري أو وَجهِي أو رُوحي.
مهُزومٌ، مَقهورٌ، ويائِسٌ إلى الحدِّ الَّذي قدْ يموتُ كلُّ منْ أحبُّ أمَامي،
ذَبحاً أو حَرقَاً، دونَ أنْ أشعُرَ بشيءْ
وأبكِي بألمٍ هائلٍ، بعدَ خسارةٍ عابرةٍ في لعبةِ ورقٍ تَافهةْ.

 

نصٌ جبانٌ لفيلمٍ رومانسيٍّ طويل:

هل فكَّرتَ يوماً أنْ تقتلُ نفسكَ؟
ربما لم تفعلْ، لكنتَ مَيتاً الآنْ،
مِثلي تماماً،
ولا أدَّعي أننّي قتلتُها،
بل أعني أنّني أقتلها يومياً،
منذ فكرتُ بذلكَ لأوَّلِ مرَّةٍ في لحظةِ يأسٍ جَبانٍ،
يأسٍ مهزومٍ، يأسٍ خَصِيٍّ، يأسٍ ضعيفٍ حدَّ الأملْ
بعدها،
أصبحَ التَّفكيرُ بذلكَ هَاجِساً يوميَّاً، متعةً، خيالاً،
اعتذاراً أبديّاً منَ التَّردُّدِ الأولِ للفعلْ.
بتُّ أتخيّلُ طُرقاً شَيِّقةً لذلكْ، مرَّةً تخيَّلتُ موتَاً شَديدَ الإحكامِ :
أنْ أُعلِّقَ نفسِي بمشنَقةٍ، تتأرجحُ على قضيبٍ معدنيٍّ،
يُطلُّ برأسهِ من سطحِ “نَاطحةِ سَحَابٍ”،
مِشنقةٍ مَجدُولةٍ من أسْلاكٍ مَعدنيَّةٍ، رَفيعةٍ، شائِكةٍ،
تخترقُ لحمَ العنقِ ببطءٍ ولذّةْ
خَصرِي مُحزَّمٌ بأفضلِ أنواعِ الأحزِمة النَّاسفةْ،
وقبيلَ آخرِ نفَسٍ تتركهُ المِشنقةُ في حَلقِيْ
أقطَعُها بمنشَارٍحَديديٍّ، وأهوِي في السَّماءْ.
في الطَّريقْ،
لا أُسلِّي نفسِي بشرِيطِ ذكرياتِي،
بل بِتَخيُّلِ طُرقٍ أخرى للموتْ
(فعلياً: بشريطِ ذكرياتِي)
وكمْ توفّرٌ “ناطحاتُ السّحابِ” وقتاً لِذلكْ!!
قُبيلَ ارتِطامِي بالأرضِ يكونُ في انتظِارِي شَاحنةٌ طويلةٌ جدَّاً
“من تِلكَ التي يُهرَّبُ فيها البَشرُ من آسِيا، ليباعُوا في أسواقِ النِخاسَةِ المعاصِرةْ”
مُسرِعةً بأقصَى مَا لدَيها،
تَتَلقَفَّني بِتسدِيدةٍ فنيَّةْ، كتلكَ الَّتي يَركُلها المحتَرفُونَ في ضَربةِ تَرجِيحٍ حَاسمةٍ،
بعدَ شَوطَينِ إضَافِيينْ،
أطيرُ أفُقيَّاً بجِسمٍ عاموديٍّ بِاتَّجاهِ حائطٍ قريبٍ “هو المرمَى مثلاً”،
مَحروسٍ بعددٍ كافٍ من الخَوازيقِ البارزةِ (ما يَكفِي لإختِراقي جَيّداً، دونَ قَتلي)،
في تلكِ اللَّحظَةِ تماماً وأنا أموءُ منَ الألمِ وأدمِي من مَسامَاتي كلِّها،
أسحبُ صَاعقَ الحزامِ فلا ينفجرْ.
خوفاً من ذاكَ الخذلانِ المحتمِ، وما سَيتلوهُ من ألمِ التَّعافِي،
لم أتجرَّأ أن أقتلَ نفسِي بتلكَ الطريقةْ.
شرُّ، سَوداويِّةٌ، مازوخيةٌ، عُقدُ طفولةٍ، أمراضٌ نفسيةْ
سمّها ما شئتَ، الأسبابَ الّتي دَفعَتني للتَّفكيرِ بذلك.
فرغمَ وجُودها جميعاً، وأكثرْ
فتلك ليستِ الأسبابَ الحقيقيةَ،
إنمّا بعضُ المللِ فَقطْ
المللِ الحقِيقيِّ الّذي حينَ تَشعرُ بهِ،
قدْ تَكونُ سائقَ الشاحنةِ الطويلةْ
عندهَا نُحكِمُ العمليّة أكثرْ
وتكونُ شَاحنتكُ محمَّلةً بقنبلةٍ جرثوميةٍ بدلَ الآسيويين،
وفي حالِ انتَظرتَ نفسكَ لِتَملَّ أكثرْ
سأدَعكَ تُشاركُني الرِّحلةَ، منذُ المشنَقةِ المعدَنيةْ
وحتَّى الجدارِ المزركَشِ بالخوازيقْ
عندهَا
في حالَ خَذَلنَا الصَّاعقُ سويّاً،
لن يَجبُنَ أحدُنا على غَرسِ سكِّين ثلمٍ في قلبِ الآخرْ
معاً، في ذاتِ اللحظةِ، شَارِعَي انتحارٍ، قَاتِلَينِ قَتِيلَين في آنْ
كمْ سَنربكُ اللهَ حينها، ونَخلقَ “منطقةً وسطَى، مَابَينَ الجنَّةِ والنَّارِ”.

 

– حواشي:

طوالَ حَياتِي، وأنا أسمعُ كلمةَ “ناطِحاتِ السَّحابْ”،
دون أن أفهمَ ما الّذي يعنيه فعلُ “النَّطحِ” في هندسةِ العمارةِ، فَعزوتُ ذلكَ، لجهلِي بعلومِ البشرِ، وإلمامَي بِعلومِ الحيواناتْ.
فصرتُ أتخيَّلُ “ناطِحةَ السَّحابِ” ثَوراً أو تَيساً، من عُصورِ الأسطُورةْ، من ذَاكَ الّذي تدورُ الكرةُ الأرضيةُ على أحدِ قرنيهِ أو قَضيبهِ، فيتسبّبُ بالزلازلِ، لحظةَ الغضبِ أو الرعشةْ.

 

كلّنا قَتَلة:

لا تُخبرنِي بأنَّكَ “خائفٌ من الغدْ” ما لم تكنْ تملكُ وقتاً لسماع هذا:
خائفٌ من الغدِ، من اليومِ، من البارحةِ، منذُ العدمْ
وخائفاً كنتُ في العدمِ، منَ انفِجارهْ
كنتُ سآتي، كانَ مقدَّراً أنْ آتي، من ذاكَ الإنفجارِ الحَتمي
ولأنَّ لا شيءَ قبلهُ
أتوقُ موتاً إلى ذاكَ الخوفْ.
فالخوفُ حِينها كانَ مجرَّدَ خَيالاتٍ واحتمالاتٍ مفتوحةٍ وممتعةْ
احتِمالاتٍ بَدأتْ بالتناقصِ والتَّحديدِ والتَّطرفُ منذُ انفِجارهِ.
وأتيتُ؛
حدثَ أنْ أتيتُ،
لأجدَ نفسي في “أقبح تكوين”:
نُطفةً بشريّةً في خِصيَتي أبِي،
عِندها، خشيتُ أن أكونَ من بين ال (40) مليون نطفةٍ التي لنْ تُرمَى في بلّوعةٍ أو زاويةِ سجنٍ أو زقاقٍ مهجور، أو على أقلِّ تقديرٍ، في رحمِ عاهرةٍ لنْ تمتكَ الجرأةَ أو المالَ لإجهَاضِي، فآتِي بنزوةٍ عابرةٍ، وأعيشُ كنزوةٍ عابرةْ
ذاك كانَ قد يواسِيني قليلاً،
أمّا أن أكونَ قد ولدتُ بقرارٍ حقيقيٍّ، فذاكَ أصعبُ من تحمُّلهِ.
ودخلتُ الرَّحمَ، في سباقِ الإصطفاءِ،
خائفاً أن أكونَ النُّطفةَ الرابحةْ
النُّطفةَ الَّتي ستبدأُ حَياتَها جَارَّةً ملايينَ القتلى وراءها،
فهي لن تحَرمَ البقيّةَ فرصةَ الفوزِ، بلْ فرصةَ الحياةْ
فالعكسَ لم يكنِ الهزيمةَ، بلِ الفنَاءْ
النطفةَ الَّتي َستكفُّ عن الحياةِ مع أبناءِ خِصيَتها،لتعيشَ مع أجناسٍ أخرى.
كنتُ أفضِّلُ الموتَ بمجزَرةٍ جَماعيَّةٍ مع أبناءِ “خِصيَتي”،
في “بلّوعةٍ”أو خِرقةِ استمناءٍ باليةْ،
على النّجاةِ وحيداً مع ناجينَ آخرينَ، من جنسِ خصياتٍ مختلفةٍ،
لنبدأ حياتنا، وكلُّ منا يجرُّ وراءَه أبناءَ جنسِهِ جميعاً، قتلى
“النُّطفةُ العقيمةُ أنبلُ نُطفةْ، شِعريّةُ العَدمْ في أصغرِ خلقِهْ”
“لاشكَّ أنَ السَّببَ العميقَ لشُعورِ الوحدةِ المتلازِمِ الَّذي لا نَكفُّ عن افتِعالِ كلُّ ما نفعَلهُ للهربِ منهْ، سببه فناءُ الأجناسِ ذاكْ.”
وانتصرتُ في سباقِ التَّلقيحِ ذاكَ،
دون أنْ أعلمَ أنّهُ سيكونُ النَّصرَ الأوَّل والأخيرْ،
لأمضِي بقيةَ الحياةِ مَهزوماً،
في حربِ الوجودِ الَّتي لا تَنتهي إلا بِبرهانِ الهزيمةِ الدَّامغْ: الموتْ:
هدفُ الشَّرفِ الوحيدِ لتلكّ النُّطفةِ،
بعدَ مِهرجانِ الأهدَافِ الّذي تَلقَّتهُ ذهاباً وإياباً مع الوجودْ
على أرضِهِ وبينَ جمهورهْ.

 

……
معشرُ النِّطافِ، معشرُ ذكورْ
ذكورٍ مُعتدِّينَ جدّاً ، لكنّهم في العمقِ مُخنّثونَ جداً،
يمتَلكونَ صيغةً جنسّانيةً متردّدةً (yx)يحدِّدونَ بها جنسَ المولودْ
ويعاقِبونَ من يتعاطفُ مع البويضةِ الصّافيةِ (xx)، إلى حدِّ الاقترانِ بها بجانبهِ الأنثويِّ، أنْ يُخلقَ أنثى، ويستمّرُ بذاكَ العذابِ الجنسيّ طوالَ حياتهْ.
أمّا الذّكرُ الوحِيدُ والأوحدْ
الذّكرُ الخامْ
الذّكرُ الأفحلْ
الذّكرُ الأشرسْ
الذّكرُ الأكملْ،….. إلخ،
هو النّطفةُ الّتي شذّتْ لمرةٍ واحدةٍ، بصيغةٍ صافيةِ الذّكورةْ ((yy)
وحينَ لم تقبلْ أيَّةُ بويضةٍ التلاقُحَ معها، صارتْ”الله”

 

…….
حاشية علميّة ضروريّة ( لا تخلو من بعضِ الشِّعريّة القاسِية):
من المعلوم أن خلايا الذكر تحتوي على الكروموسومات (XY)، بينما خلايا الأنثى تحتوي على الكروموسومات (XX) ، والحيوانات المنوية، إذا انقسَمتْ اختزاليّاً، فإنها تحتوي على حيوانات منوية مذكّرة يُشار إليها بـ (Y) ، وحيوانات منوية مؤنّثة يُشار إليها بـ (X) وكلاهما يختلف في تكوينهِ عن الآخر، فالحيوان المنويُّ المذكَّر: له وميضٌ ولمعانٌ في رأسه ، بينماالحيوان المنوي المؤنث: يفقدُ ذلكَ اللَّمعان والنّور، كما توضّحهُ الصّورُ المتخصِّصةُ بذلك.

عن حسام ملحم

حسام ملحم

كاتب سوري