الصفحة الرئيسية / تجريب / أوتارٌ يابِسة
اللوحة بريشة فاسيلي كاندينسكي

أوتارٌ يابِسة

– خرجتُ لِلمشي قليلاً قُربَ منزلي الجديد كمحاولةٍ لحِفظِ اللوحات المُعلّقة على جانِبي الطريق، كعلاماتٍ تُرشِدني إلى كهفيَ الجديد، في حالِ اقترفتُ التفكيرَ بالخروجِ منه، لتفقّدِ ما إذا اختلفَ لونُ ما يُفكِرُ بِهِ الجميع.

– إحدى اللّوحاتِ كانت مُلفتةً لِلنّظر جداً، زرقاءَ معدنيةً كبيرة، يملأُ زواياها الصّدأ، في وسَطِها رُسِمَ غيتارٌ بِطريقةٍ خاطِئة وبَشِعة، كُتِبَ عليها بِخطٍّ أبيضَ كبيرٍ بضعُ كلماتٍ باللغة الفرنسيّة لم أفهم منها حرفاً واحداً، دخلتُ المبنى وبدأت صعود الأدراجِ المُتكئةِ على جُدرانٍ يميلُ لونها لِلأصفر مع تشقّقاتٍ تملأ بدنها.

الطابق الثاني، صالةٌ كبيرة، مُنَارةٌ بِثُريّا قديمة ضخمة، مع آلاتٍ موسيقية تملأ المكان بِجانِبِ الغُبار، أستطيعُ إحصاءها كُلها، خمسةَ عشرَ غيتاراً، أربعُ آلاتِ تشيللو، خمسُ آلاتِ كونتر بايس، و آلتَي بيانو ضخمتينِ، بدأتُ أُحدِّقُ بِكُلِّ شيءٍ كأنّني قد وُلدتُ منذُ قليلٍ وتمّ رميي في هذا المكان.

تجوّلتُ مُطولاً أحدّق بِكُلِّ هذا، جميعُ الآلاتِ يفوقُ عمرها الستين عاماً، و امرأةً ثمانينيّة محنيّةُ الظهر، التهمتْ التجاعيدُ وجهَها ، مع عكازةٍ خشبيّةٍ مزخرفة .

**

– أستطيعُ مُساعدتكَ؟

– شكراً، فقط أتفرّج.

– تَعزف؟

– لا.

– أُراقِبُكَ منذُ دخلتَ، لماذا مُهتمٌ لهذِهِ الدرجة إذاً!؟

– أحبُّ هذهِ الأشياء فقط .

– إذا كُنتَ تُريد تعلُّم العزف، هذهِ الصالة ليست صالةُ بيعٍ فقط، بل أيضاً معهدٌ لِتعليمِ عزف الغيتار، فلامنكو.

– مُمكن، ما اسم المُعلم؟

– ماريا، أنا، أستطيع تعليم عزف الغيتار.

– أنتِ!

– نعم، لمَ الاستغرابُ؟!

– لا أستغربُ، آسف، لكنْ، وبصراحة، أنتِ طاعنةٌ بالسنِّ جداً!

– من قالَ لكَ أنني كنتُ أنتظِرُ أحداً ما ليُخبرني بهذا؟ اتبعني .

**

– مشَينا إلى آخرِ الصّالة، هناكَ طاولةً قديمة وكُرسييّن على جانبيها، وغيتارٌ آخر لم أرَه، أمسكَتهُ ببُطءٍ و جَلَستْ، بدأتْ تُدوزِنُ أوتارَهُ، استغرقَ المشي لِآخرِ الصالة وعملية الدوزان حوالي نصف ساعة منَ الصمت، بدأتُ أملُّ الأمر، عليَّ إيجادُ طريقةٍ لَبِقة وسريعة لِأهرُبَ من هنا.

بدأت تُجرّبُ صوتهُ وتنقر على الأوتار .

**

– هذا الغيتار عمرهُ مئةُ عامٍ وعشرُ سنوات، صُنِعَ في مشغلٍ يدويّ شمالَ إسبانيا في مدينةِ “أستورياس” .

– واضح.

– أوتارهُ هيَ الجديدة فقط، أوتارُهُ الأصلية أفضل بِكثير، ما زالَ صوتها يترددُ في أذنيَّ كُلما رأيتُهُ.

– أكيد.

– اِجلسْ.

– طيّب..

**

– بدأتْ العزف.

**

تقريباً تحولّت من ثمانينيّة إلى عشرينيّة، اختفتْ جميعُ ارتجافاتِ يديها، قُلِبتْ لِتُصبِحَ آلةً تنتَقِلُ من وترٍ إلى آخرَ بِخفّة، ذُهلتُ تماماً بما أراه، لا أرى مثل هذا كُلَّ يوم، عجوزٌ مُسنّةٌ حدَّ التجلُّد، بِغيتارٍ قديمٍ حوّلتِ الصالةَ إلى قريةٍ إسبانيّة صغيرةٍ مليئةٍ براقصاتِ الفلامنكو اللواتي يلبسنَ فساتينَ حُمر.

بدوتُ مُغفّلاً حقّاً عندما أردتُ الهروب من هنا.

**

– ما رأيُكَ الآن أيها العجوز؟

“لم أتفوّه بِكلمةٍ واحدة، فقط معالِمُ دهشةٍ غبيّة تعلو وجهي”

– منذُ متى بدأتِ العزف؟

– منذُ كُنتُ في سنّك.

– منذُ حوالي الستينَ عاماً تقريباً، صحيح؟

– تقريباً ، و منذُ حوالي الأربعينَ عاماً لم يدخلْ طالبٌ واحدٌ إلى هُنا، منذُ بدأ الشيبُ يأكُلُ رأسي، الجميعُ يتخيّل أنَّ من يعزف أو يرقُصُ الفلامنكو عليهِ أن يكونَ شاباً، و دوماً على الراقصة أن تَلبِسَ فُستاناً أحمر.

– طيّب، ما الذي جعلَكِ تبقينَ وحدكِ طوالَ هذهِ المُدّة! أين زوجُكِ، أولادك؟

– لم أتزوّجْ، و ليسَ لديَّ أولاد، انتظرتُ طويلاً فقط .

هل ترغبُ بِسماعِ شيئاً آخراً؟

– أكيد !

**

– هُنا كانت بدايةُ الحرب، المقطوعةُ هذه، لم تكنْ سوى ساحةَ صراعٍ أيقظتْني وسحبتْني لِأفتحَ صندوقاً صغيراً كنتُ قد خبأتَهُ في مكانٍ ميت، تفقدتُ داخِلَهُ بِحذرٍ، بحثتُ جيداً، لم أجد سوى بضعَ شتلاتٍ يابسة كنتُ قد زرعتُها عندما كُنتُ حيّاً، أغلقتُ الصندوقَ و بدأتُ التفكيرِ بِبدءِ البحثِ عن مكانٍ أكثرَ دفئاً لِدفنهم .

**

ما زالتْ تعزفُ، نسيَتْ أنها تُريني فقط إمكاناتِها على الغيتار، استمرّتْ بالكلامِ عن نفسها كيف بدأتْ بتَعلُمِ العزفِ، وهي تعزفُ، كأنّها تتدرّب على وضعِ خلفيةٍ موسيقيّة لِكلامِ الراوي في إحدى المسرحيات.

**

– ألا تعتقدُ أنَّ من الأفضلِ أن يكونَ بإمكانِ الوترِ الكلامُ وحدهُ عِوضاً عن إفراغِ سنواتِ حُزنٍ يملِكُها الإنسانُ، بِهِ؟

– أكيد!

– أُحِبُ تسميةَ هذهِ الأوتار بالناجين، يُمكِنَهم احتمالُ أمراضِ الجميع، دونَ حركةِ يأسٍ واحِدةٍ، يبقى الوترُ يحتملُ جميعَ العُقدِ التي تنصبُّ فوقهُ إلى أن ينقَطع، على الجميع أن يكونوا مثلَ الوتر، حتّى النهاية.

– لم أفهم ما تقصدينه بِقولك.

– على الجميعِ احترافُ النّجاةِ، فقط، ليسَ على أحدٍ احترافُ الحياة.

**

تستمرُّ بالعزف بينما تتكلّم، كأنَّ شيئاً لم يكن، كأنّني غيرُ موجودٍ أمامها، تتحدث هي، وصوتٌ بجانبِها يُجيب.

**

– منذُ قليل قُلتِ أنكِ انتَظرتِ طويلاً، ما الذي كُنتِ تنتظرينهُ ومنعكِ من ” احترافٍ أكبرَ لِلنجاة “؟

– انتظرتُ أستاذي الخاصّ الذي علّمني كيفَ أتحدّث بِحُريّةٍ عمياءَ إلى الغيتار.

– أها ..

– كانَ لُبنانيّاً من أبٍ إسبانيّ، انتظرتُهُ كي يعودَ إلى هُنا من إسبانيا، بعدَ الحرب التي حصلت، لم يأتِ حتى الآن.

– مازالَ لديكِ أملٌ بِأن يظهر؟

– لا أعرف.

**

– الموسيقى هي عويلُ العالِقينَ في جحيمِ الانتظار، الموسيقى هي عويلُ العالِقينَ في جحيمِ الوجودِ ولا يجدونَ مهرباً منه، الإنسانُ لا يستطيعَ تفادي وجودهِ وسطَ رقعةِ شطرنج ومعركة ٌ تشتعلُ داخِلها، الإنسانُ لا يستطيعَ تفادي وجودَهُ بأيِّ شكلٍ منَ الأشكال.

ما زالتْ تعزفُ، أصبحَ اللحنُ أكثرَ بساطةً من قبل، مع استمرارِها بحديثِ الانتظارِ لِسنوات.

**

– لم يحدث شيءٌ جديٌّ بالفعل، كُلُّ ما حدثَ أنني بقيتُ أتنفسُ بِشكلٍ جيّد طوالَ هذا الوقت، تغيّرتْ ملامحي قليلاً كما تَرى، الوقتُ لم يساندني، كانَ كعاصِفةٍ مرّت بِسُرعةٍ كبيرة.

– لماذا لم تحاولي الاتّصالَ بِه ؟ التّواصل بأيّ طريقة؟

– حاولتُ ولم أتلقَّ الرّد، توقفّتُ عن إرسالِ الرسائِل لهُ منذُ عشرِ سنواتٍ تقريباً، أربعون عاماً من الرسائل تُستطيع أن تجعلَ هذهِ الصالة تشعُرُ بالتخمة المُميتة، مللتُ، فتوقّفتْ.

لكنني لم أملَّ هذا الغيتار بعد، ما زلتُ أرسِلُ لهُ بعضَ الأصواتِ منه، أنا واثقةٌ أنهُ يسمَعها جيداً.

– لم تحاولي السفر؟

– لا أستطيعُ تركَ الصالة هذهِ، والمنزل، كانا لِأبي وائْتمَنني عليهما.

– لا أقولُ أن تتركي شيئاً، السفر لِوقتٍ قصير، و العودة لاحقاً.

– لا أستطيع تركَ شيء، قلتُ لكَ، عليَّ الاعتناءُ بهذهِ الآلاتِ جيداً، كما تَسقي نبتةً صغيرةً بالقليلِ من الماء، وتحاولُ أن تتحسّس نبضها إذا ما كانت حيّة، عليَّ البقاءُ بِجانِبهم كي لا يشعروا بالوحدة.

**

– قد تكونُ مُصيبةً بما قالتْه، لا يُمكِنُكَ تركَ شيءٍ وحدهُ، الوترُ إن تُرِكَ سيصبحُ رخواً، أي لا فائِدة منهُ، سيكونُ قد وقعَ بِمصيدةِ انتظارِ أحدٍ ما ليرقُصَ بِرفقَتِهِ، شتلةُ النباتِ الصغيرة، نفْسُ الشّيء، ستُصبح رخوةً، و تموتُ بعدها.

ما زالتْ تُطنطنُ على الأوتار بِخفّة.

**

– أخبرني عمّا هو آتٍ، مستقبلُكَ أقصد.

– أنا في المستقبل الآن، وصلتُ إليهِ منذُ مدةٍ قصيرة.

– لم تتعلّم العزفَ أبداً؟

– لديَّ غيتارٌ بِخمسةِ أوتار.

– خمسةُ أوتار؟

– الوتر السادس انقطع وحده، ما إن عدتُ ولمسته.

– تركتَهُ فترةً طويلة إذاً!

– جداً طويلة.

– لماذا وصلتَ مُبكراً إذاً؟

**

وصلنا إلى المُستقبل أخيراً، مُقرف كما كانَ متوقعاً، لا شيء يدعو لِلمُفاجأة.

علينا جميعاً الحِفاظُ على حياتنا قدرَ المُستطاع، نقلُ ما حدثَ ويحدثُ لِلواصلينَ الجُدد بأصواتنا، أفضلُ بِألفِ مرّة ممّا نُقِشَ على الجدرانِ والصّخور.

– لا أدري بالفعل، لماذا وصلتُ بِهذهِ السُرعة؟ بَقيَ الوترُ ينتظر إلى أن أتيتْ، انقطعَ أمامي، احتقرتُهُ قليلاً، لكن الآن فهمتُ سبب ما فعلهُ.

– توقفتْ عن العزف قليلاً.

**

– تظنُّ حقاً أنكَ وصلت؟

**

حسناً، من المُمكن أنّي لم أصِلْ بَعد، لكنّ مللَ الانتظارِ قد نالَ مني.

**

– ما زلتَ لم تصلْ بعد، يوجد لديكَ الكثير لِتنتظرهُ، الأهمُّ ألّا تتوقّفَ عن الانتظار.

– أنتظرُ ماذا؟

– لا أدري، أنتَ من عليكَ أن تجدَ شيئاً لِتنتظره.

” عادت تعزفُ مرةً أُخرى “

**

ما الذي تأكدتُ منهُ حتى الآن!،

أنَّ جميعَ من على سطحِ الكوكبِ في سباقٍ مُحتدمٍ لِإظهار البؤس، كأنَّ الجميعَ يعانونَ حميةً غِذائِيّةً قاسية، يستطيعونَ الخروجَ منها، لكن لا أحد يريدُ هذا، فبعدَ الخروج لا يوجد شيءٌ يستحقُّ الانتظار.

..

– الموسيقى تتعمّدُ دوماً مُداعبةَ الذاكِرة ونبشَ ما هو مدفونٌ فيها، تَدعوكَ دوماً إلى الخُروج من نفسك والتّعري دونَ خوفٍ من أن يسمعك أو يراك أحد، كل شيءٍ مُباحٌ عبْرَها، تتفنّنُ بإثارة كلّ ما في داخلك من خوفٍ وحُبٍّ وكُرْه .

نُمارِسُ جميعاً علاقاتٍ مُسالمةٍ محقونةٍ بالنِّفاق، علينا إسقاطُها كُلّها، لِنكن واضحين، نَكره بِطَاقةٍ مُمتلئَة، نُحِبُّ بِعُنفْ، نَحزنُ دونَ تفكير، نبكي بِنهم، نَضحكُ بِدَويّ.

..

– ما زالتْ تَعزف.

**

– لم تقل لي، تُريدُ التسجيلَ في دروسِ الغيتار أم لا؟

**

توقفتْ عن العزف .

عن حسين الماغوط

حسين الماغوط

كاتب من سوريا