الصفحة الرئيسية / زوايا / عِنوان مُلائِم
فادي الحموي/دراسة لمرآة الحمام

عِنوان مُلائِم

لا شيء سِوى معجون الأسنان يحمي خلال الليل، الآلهة والأمّ والحبيبة والوطن والمال والشّجاعة والأصدقاء الخ الخ وما إلى ذلك من مصطلحات؛ هي كلّها أشبه بالـ”مايونيز” في سندويشة تشتريها من دكّانٍ لا تعرفه، قد يكون موجودًا وقد لا، هي لعبةُ الحظ في حياتك، قد تكون السندويشة طيّبة وقد لا، لا شأن لك في ذلك، ستُراقِب فقط، أما معجون الأسنان فهو قرارٌ كاملٌ وواع، تضعهُ ببطءٍ وأنت تُراقب وجهكَ في المرآة، ثم تصيرُ مَحميًا و سعيدًا.

أنتَ أساسًا لا تُحبّ المايونيز؟

أجل أجل، أعرف هذا تمامًا، حتى في الصّيف عندما تكونُ مُفلِسًا ستشعرُ بالبرد، ثمّ ستكتبُ أنّ الإفلاس هو إفلاس الرّوح والمُخيّلة وكذا.

قد تصيرُ أحمقًا أيضًا، مُسفسَطًا، تُبرّر جوعكَ بأنّه خيارك الفلسفيّ لأجل أن تبقى أسنانك نظيفةً، من الحرب.

لكنّنا حقًا نحبّ لو نأخذ معنا كلّ تلك الجِبال، الحارات، الضِّيَع الصّغيرة.

لا مُتّسع لها؟ بعضها؟ بعضها ممكن؟ أجل؟ لا؟ طيّب هل من دولةٍ تستقبل جبلًا واحدًا صغيرًا؟ حديقة واحدة؟ حديقة واحدة على الأقل كُنّا قد خطّطنا سابقًا لأن ننظّفها وأن نُخرِج منها كلّ عناصر المخابرات، ثمّ أن نسمح للعشّاق فيها بتبادلِ القُبَل كما أن نسمح بإدخال الكلاب والأطعمة والدّراجات الهوائيّة، فكّرنا بساحةِ لعب الأطفال كما فكّرنا كيف فيها سنُدلّل العجائز.

تحبُّ ابتسامات العجائز؟ تُصدّق أنّ هذا هو كلّ ما في الأمر؟
هل حقًّا تحتاجُ ابتساماتُ العجائز لاتفاقاتٍ دوليّة ومعاهدات حفظ سلام وتنسيق مصالح مُشتركة والعمل على مكافحة الإرهاب؟ حقًا؟.

تعرفُ أنّي رأيتُ ابتسامة أمٍّ فقدت كلّ أولادها؟ رأيتُ عجوزًا يتظاهرُ كلّ يوم بأنّه لا يبكي وبأنّ هناك شيء ما دخلَ عينه، رأيتُ صَبيّةً عشرينيّة بِلا أطراف، طفلًا لم يستطع رؤيتي أو سماع صوتي، شابًا لا يحلمُ بشيء، ولا بأيّ شيء، رجُلًا قال أنّه بلا ذكريات وأنّ الصّورَ في حقيبته هي لغُرباء، أصدقاء لي صاروا عجائز خلال أيّام، غيرهم أيضًا الكثير، تُصدّق كم هذا مُضحِك أن تقولُ أنّي لا أستطيع؟ لا أستطيع أن أحمل معي جبلًا أو حديقة؟ أينَ إذن سأضعُ كلّ هذا؟ هل من دولةٍ تتّسعُ لكلّ هذا؟ أجل؟ لا؟

– بكل حال، لديك معجون أسنان رخيص؟
– لا، انظُر في المحلّ المُقابِل.
– شكرًا.

..

عن طلال بو خضر

طلال بو خضر

كاتب سوري