الصفحة الرئيسية / نصوص / رأي / إيغون شيلي.. ذاكرة لفناء الجسد

إيغون شيلي.. ذاكرة لفناء الجسد

جماع - تخطيط على الورق، فيينا 1915. عن ويكيميديا
لعلّ أبرز ما تعرضه لنا لوحات إيجون شيلي(1)إيجون أشلي 1890 – 1918 رسام نمساوي ينتمي للمدرسة التعبيرية هو ذاته ما نهرب منه في حياتنا، هو ذاته ما نشيح بنظرنا بعيداً عنه، تأمّل الضعف، والتحديق في البشاعة، الاعتراف بالمرض، والسكون والتكوّر على هشاشة تُنبئ بالعجز. لا تبحث شخصيات شيلي عن الجمال التقليدي، وإنّما عن الجمال الذي ينطلق من البشاعة – الغروتيسك(2)اتخذت كلمة “غروتيسك” في السياق الفنّي منحى دلالياً مختلفاً عن دلالات أصولها في اللغة الإيطالية، فهي تعني القيمة المعقّدة في التصميم الفنّي التي تُبرز الجمال من خلال ما اتّفق عليه ثقافياً وتاريخياً بأنّه قبيح. أي، عندما نتحّدث عن الغروتيسك في المنحوتات القوطية ورؤوس الغارغويل على أعمدة الكنائس ذات المعمار القوطي، فإنّنا نتحدّث عن روح فنّية معقّدة تتجسّد في تصاميم مبالغ بصورتها القبيحة ولكن التنفيذ الفنّي أضفى عليها إبهاراً جمالياً واضحاً.، والكمال الذي ينشأ من تمظهر النواقص، والقوّة التي تنبت من أشد الأجساد ألما وضعفاً. لقد كان شيلي منحازاً دوماً إلى النحول، نحو الأجساد المنكسرة، الجروح والكدمات لا تغيب عن لوحاته؛ والموت مصير محتّم، يكاد أن يكون الرسالة الخفية خلف كلّ أعماله، كأن تكون حياتنا رحلةً قصيرة بين موتين، أو وجودنا استثناءً زمنياً بين عدمين.

أم ميتة 1910. ويكيميديا
لا تميل شخصيات الرسوم إلى التباهي أو الاستعراض، بل على العكس من ذلك، هناك دائماً ما ينتابها القلق، قلق الإنسان الحديث وقلق الشاب المبدع الذي ترك لنا إرثاً كبيراً من الخطوط والألوان قبل أن يغادر بعمر الثامنة والعشرين، حياته العاصفة تشبه عاصفة الأهواء والمخاوف التي خلقها في فيينا قبل قرن من الزمن ليكون أحد روّاد حركة الإنفصال الفني، المتمردين على قواعد الفن الكلاسيكي، إذ حطّم شيلي القيود الضيّقة للفن محرراً الجسد والمعنى.
الكاردينال والراهبة – 1912. ويكيميديا
لا يُمكن لنا فهم الفنّان دون التطرّق لأشدّ مواضيعه جرأة وتمرداً: البورتريهات والأجساد العارية – العري في المشهد ليس بغرض الإغراء، إنّما بهدف التحديق في الانطواء والانعزال، في محاولة لإطالة النظر في التعب والارتعاش والتشنّج الذي يصيب الوجوه والأطراف. لقد شكّل شيلي صورة الانسحاق الإنساني، واستطاع، بعد إيغاله في التفاصيل العميقة، أن يسبر أجواف الحزن واليأس في الكائن البشري – اليأس والفناء الموعود هي السمة الطاغية في لوحات العري، حتّى في أشدّ المواضع استحضاراً للنشوة. لطالما انتمى هذا الفنان إلى الإنسان المسحوق، فدأب على تصوير الرغبات والأحلام، والانفعالات والهواجس، والحاجات النفسية والمخاوف البشرية، مع انعكاسها بكلّ التفاصيل الممكنة على الوجوه والعيون، وعلى الأقدام وعلى حركة اليدين، والمفاصل المتكدّمة والعروق البارزة، والندوب المتروكة على مساحات واسعة من الأجساد، وكأنّها العلامة الوحيدة على ما هو حي ويتحرّك في اللوحة، وكما تكون الندبة علامة النجاة والتعافي، كذلك كانت تجسّد تعبيراً فنياً صارخاً، أن الجسد تجربة جروحٍ طويلة لا يوقف نزيفها المنهدر سوى الموت، وأن الفراغ الذي يملؤ أضلاعنا هو نقصنا الأول، وهو ما نسعى لملئه في رحلةٍ خاطفة.
وولي، ذات البلوزة الحمراء والركب المرفوعة، 1913
سعى شيلي دوماً للتعبير عما يعتمل في النفس البشرية من أنقاض الحزن و خرابات الخوف، لكنه حاول في الوقت ذاته إظهار الجمال المترسب حتى في الزوائد والترهلات والندوب، والمتكثف في أشد الأجسام عيوباً وابتعاداً عن الكمال التقليدي الجاف، المنبعث من الجروح والكدمات والجلود المتموتة والمشققة، حيث تصبح الندبة شاهداً على الخصوبة والحياة، علامةَ أنّا نجونا، وحيث يذهب بنا بعيداً إلى مملكة الخوف والرغبة، ليجسد لنا معنى العجز ونقائص البشرية، وأثر الزمن على الأجساد.

بورتريه ذاتي. ويكيميديا
كما الأحلام، تُجسّد الرسوم رغبات الفنّان ومخاوفه، ويحكمها القانون الأول في الجمال — ارتباطها بالفناء. يؤمن إيجون شيلي أنّ للأجساد ضوؤها الخاص، ذاك الذي تستهلكه طوال حياتها، لذلك كان عليها أن تحترق، وأنّه لا يمكن لها أن تشتعل من الخارج، إنّه اشتعال الذات البشرية من الداخل، وما ينقله على الورق لم يكن سوى احتراق جسده حين تلتهمه رغبة التلاشي أمام المرآة.

المراجع   [ + ]

1.إيجون أشلي 1890 – 1918 رسام نمساوي ينتمي للمدرسة التعبيرية
2.اتخذت كلمة “غروتيسك” في السياق الفنّي منحى دلالياً مختلفاً عن دلالات أصولها في اللغة الإيطالية، فهي تعني القيمة المعقّدة في التصميم الفنّي التي تُبرز الجمال من خلال ما اتّفق عليه ثقافياً وتاريخياً بأنّه قبيح. أي، عندما نتحّدث عن الغروتيسك في المنحوتات القوطية ورؤوس الغارغويل على أعمدة الكنائس ذات المعمار القوطي، فإنّنا نتحدّث عن روح فنّية معقّدة تتجسّد في تصاميم مبالغ بصورتها القبيحة ولكن التنفيذ الفنّي أضفى عليها إبهاراً جمالياً واضحاً.

عن عمر دياب

عمر دياب

طالب طب أسنان مقيم في المانيا