الصفحة الرئيسية / تجريب / نصفُ الطريقِ الأقرب، إليكِ

نصفُ الطريقِ الأقرب، إليكِ

تشكيل للسوري غيلان الصفدي. الصورة عن صفتحه على فيسبوك

بأيّ حالٍ من الأحوَال، أنا لم أكُنْ يوماً شاعراً، ولم أركبِ البحرَ إلّا بعد أنْ خذَلتْني اليَابسة، كان اسمكِ نُدبةً على ظَهري، حَملتُها مَعي في كلِّ الغاباتِ الّتي تِهتُ فيها، يُمكنني أن أقولَ إنّني تِهتُ بحثاً عنكِ يوماً ما، لا بأسَ بقليلٍ من الكذبِ هنا، فأنا كُنتُ وحدي، أو مع مجموعةٍ صغيرةٍ لا تَعرفني ولا أعرِفها، كُنّا تسعةً نقتحمُ الغاباتِ مثلَ جيشٍ فاشيٍّ، يكسرُ الأبوابَ ويبحثُ عن ضَحايا، يمكنُني صياغةُ الكثيرِ من التَّفاصيلِ التي لم تكنْ موجودةً، يمكِنني إغراقُ الحكايةِ بالألم، لكنّها لم تكُنْ كذلكَ، كانت عاديّةً، باستثناءِ البردِ الذي نَخر عِظامي.

نَخرَ العظمَ !! 

هل تعرفينَ ماذا يَعني هذا؟ لا أتَكلّمُ عن المفهومِ الطبّي، ولا عن الفِيزيولوجيا ولا الفَلسفة، أتكلّمُ عن البردِ الذي يحكُّ ألأقدامَ ويُفني الأصَابع، يُرجِفُ القلبَ ويوجِف، يبدو أنّكِ لا تَعرفين.

لكنّي في تلكَ اللّيلةِ كنتُ خائفاً، 

ماذا سأصنعُ بالمفاتيحِ؟ ماذا سأصنعُ بالقلادةِ التي تَركتِها لي، ربّما تغرقُ معي، كأيِّ قصّةٍ منسيّةٍ في هذا العالمِ الكبيرِ.

كتبتُ لكِ قُصاصاتٍ صَغيرة :

“نخلةٌ أنتِ / وخَلفكِ من الصّحراء سَبعون.

وأنا مثلُ كلّ البوادي لا أشعرُ سِوى بالخواءِ والخَصبِ، 

كفُّكِ من بعيدٍ كانتْ سراباً كافياً للإرتواءِ، 

حِصاني كانَ متعباً جداً، قلبي أيضاً كانَ متعباً حدَّ الخَدر”

كتبتُ لكِ الكثيرَ من الرسائلِ لكنَها لمْ تَصل.

فعلاً، لا أعرفُ ماذا تَعني الرّسائلُ الّتي لا تَصلُ، الأحاسيسُ التي لا يَشعرُ بها غَيرنا، لماذا يدكِ ليستْ على قَلبي، لماذا لا تَسمعينَ أنّه ينضبُ على مهلٍ، ككلِّ المحركاتِ التي عاشتْ طويلاً، ألا توجدُ كلمةٌ تدلُّ على الرسائلِ التي لا تَصل

.

يقولون إنّ قلبي بَاردٌ، وإنيّ بليدُ المشاعِر، بصراحةٍ لا أتنكّرُ أبداً لهذا الاتّهام، نعم باردٌ قلبي، وينقصنُي الكثير من الحَطبْ.

الحبُّ رعشةٌ خفيفةٌ، لا تدومُ طويلاً، تمرُّ بأجسادِنا نحنُ الكائناتُ المصابةُ بالبلاهةِ، ومن حسنُ حظِّنا أنّها لا تَدوم طويلاً، غالباً ما يتغيّرُ الحبّ، لكنّه خفيٌّ، في المجيءِ والذّهاب، مثلَ مطرٍ خفيفٍ لا يبللُ شَعرَ السّائرين، لماذا تبدو الأشياءُ بعيدةً، وكيف تصبحُ المرآةُ قاسيةً إلى هذا الحدّ؟

أكرهُ البيوتَ الكبيرةَ، والغرفَ الزائدةَ، وكلَّ ما يوحِي بالوحشةِ الفائضةِ، أكره أن يكون العالمَ سجناً يتمدّد، أكرهُ كلّ الأرصفةَ التي لا تمشينَ عليها، 

المدنُ التي يستحيلُ أن أراكِ صدفةً في شَوارعِها ، لا تستحقُّ المشيَ فيها.

يزعجونَني أولئكَ الذين يكتبونَ دوماً، بإسهابٍ لا مثيلَ له، وكأنَّ الحياةَ كتابةٌ وكفى، أولئكَ الذينَ يظنّونَ أنّهم لتوّهمْ قد اخترَعوا الكلامَ، أحبُّ أن نكونَ معاً هناكَ، أكثر من كلِّ الأفكارِ التي طرحَها هذا العَالم.

الحزنُ بَشعٌ، ويعرفُ كيفَ يدخلُ إلينا كلَّ ليلٍ، الليلُ أسْودُ، هَكذا أخذ اسمهُ من اللغاتِ القَديمة، الوحدةُ هي كلُّ مكانٍ يُشعركَ بالنّشوة، فَرداً ضائعاً، شَجرةَ طلحٍ وحيدةً في صحراءَ قاحلةْ، عمودَ كهرباءٍ خشبياً على خطوطِ الجَبهات.

كيفَ يمكنُ أن تكونَ هناكَ هاويةٌ، أكثرَ من تلكَ التي يُعمّرُها قلبكَ، وكيفَ عرفتَ أنّ الغربةَ تبدأ بخطوةٍ، كيفَ تزدادُ الحياةُ غرابةً، وكيفَ يهطلُ الثّلج على منازلِ الغَائبين، وكيفَ يَشتعلُ قلبي مثلَ مدفأةٍ في كانون، أنا المصابُ بالبردِ حدَّ الارتِعاش.

بصراحةٍ، لم أكنْ أهتمُّ يوماً للتّفاصيلِ، ولم أقفْ يوماً على الأطلالِ، ولم أدخلْ بنقاشٍ مع ذاكرتِي منذُ ألفٍ عامٍ، تعوّدْتُ أن أحاربَ ذكريَاتي باللامُبالاة، وألّا أكترثَ لحجمِ الخَساراتِ، لكنَّها كثيرةٌ هنا، التّفاصيلُ التي تُفضِي جَميعها إليكِ، لا أحبُّ الالتصاقَ بالماضِي كما لا أحبُّ الهروبَ منهُ، أفَضّلُ أن أعاملهُ كشخصٍ عاديٍّ، دون صداقةٍ أو عداوةٍ، لا أكترثُ لوجودهِ كثيراً إلا عندمَا يتعلّقُ الموضوعُ بالمرايَا، فأتعرّفُ كلَّ صباحٍ على وجهٍ يزدادُ بشَاعة.

أنا جثّةٌ تحترقُ، ولكنّها تُخزّنُ في صدرِها الكثيرَ من الصّقيعِ، تَحبِسُ في جُمجمتِها صورَ المجازرِ، وتُعتَّقُ في أنفِها رائحةُ الدّم واللّحمِ المشويّ.

لكنّها جثّةٌ يمكنُ أن تَحكي لكِ ألفَ حكايةٍ، عن كلِّ الأشياءِ التي تَفعلينَها دونَ أن تَعرفي، دونَ أن ينتبهَ أحدٌ سوايَ، جثّةٌ أنا وتَمرُّ سخافاتُكِ الصّباحيةُ كتعويذةٍ، وتنفخُ في الرّماد.

الموتْ! 

هو أسخفُ من أنْ أحكي لكِ عنهُ، جرّبتهُ كثيراً، وفي مواقفَ مختلفة، بصراحةٍ متُّ مرّتين بالخَطأ، كنتُ أحاولُ أن أموتَ دائماً وسطَ الجموعِ، لكنْ لم ينتبهْ أحدٌ إلى موتِي، صرختُ مرّةً بعجوزٍ كان يَفعلها قَبلي، ويشدُّ انتباهَ الجماهيرِ، قالوا لي أنّ هذهِ “قلّةُ أدبٍ وعليّ أنْ أحترمَ الكبارَ الّذينَ يَموتون”، جَرّبتُ ذاتَ يومٍ شُربَ السُّمومِ لكنّني صرتُ أشربُها وأسكَر.

كانتْ هذهِ الميتةُ مملّةً فعلأً، لا أتذكّرُ أبشعَ منها، غَرقتُ في البحرِ مرّةً، ولم أكنْ في طَريقي إليكِ، مرّةً كنتُ في بيتٍ مهجورٍ، ولم ينتبهْ أحدٌ أيضاً، ومن سوءِ حظّي أنّي لم أكنْ أتعفّنُ، فلا رَائحةَ لي.

في حياةٍ أخرَى، أذكرُ أنّ إحداهنَّ قتلتْنِي، قالوا إنَّها مريضةٌ وأن ذاكَ يُعدُّ أمراً مقبولاً في مجتمعاتِهم، قرأتُ عنهم ذاتَ يومٍ، مع أنّني كنتُ أعيشُ معهمْ، لكنّهم لمْ يخبرونِي أنّهم حتّى الآنَ لم يدفِنوني، لقد كانوا يكذبونَ كلّ هذا الوَقت، وأنّهم تركونِي أنزفُ كثيراً.

بِصراحةٍ، النّزفُ لم يَعدْ مشكلةً، تعوّدتُ على إنتاجِ الخُضاب بِسرعة، ولكنّهُ العتبُ، أعرفُ أنّكِ غائبةٌ وأنّكِ مثلَ كلِّ الأشياءِ في الغيابِ، عَبَث.

هذهِ طبائعُ الموتِ، ولأنّنا نخافُ الموتَ، لم نَجرؤْ على ارتكابِ أفعالٍ أشدَ قداسةً، لم نعرفْ أبداً أنّ للموتِ أسباباً أبسطَ من ذلك، كأنْ أمشي في كلُّ المدنِ بحثاً عنكِ.

أعيشُ في مدينةٍ يأكلُها الضّبابُ، لذلكَ لم أعُدْ أبحثُ عنكِ، أعرفُ أنّي سأراكِ في حياةٍ قادمةٍ، قد لا أجرّبُ الموتَ حِينها.

أنا مَقعدٌ خشبيٌّ في خَرابةٍ مهجورةٍ، وعلى جَسدي الكثيرُ من الذِّكرياتِ والقلوبِ والأسهمْ، أحرفٌ ورموزٌ رياضيّةٌ، وشُومٌ بشِعةٌ والكثيرُ من الشّتائم.

أنا شجرةُ التوتِ التي اعترَفتْ بكلِّ الخَطايا، أسقَطتْ أوراقَها يوماً، حينَ لم تَفهمْ كيفَ تكونُ المفاتيحُ بلا أبوابٍ، وكيفَ تصبحُ البيوتُ بحجمِ علبةِ الكبرِيت.

قَلبي، علبةُ كبريتٍ فَارغةْ، تشعرُ بالبردِ، ويمكنُها أن تَحرقَ العَالم.

عن عمر دياب

عمر دياب

طالب طب أسنان مقيم في المانيا