الصوخر

عدد من أعضاء جمعية العربية الفتاة. الصورة عن: ويكيبيديا
قبل أن صاروا شهداء 6 أيار، مرّوا بخربة الصوخر.
كما العشب تنبتُ الحكايا ولألغاز على عتبات الخِرَب، وحولها تحوم الأساطير فلا تدنو ولا تفارق، يخشاها أهلُ المكان قبل سواهم، يرحلون عنها على أمل السلامة من شرورها ويُسلِمون صخورها إلى قسوة الهجران.

وكالقلوب العاشقة رقّت حجارة (الصوخر) حين آنسها أهلُها بضيوفهم بعد طول غياب، وحقّ لها ولأهلها أن يدخلوا التاريخ لا من باب الخرافة والأسطورة، بل من باب الإنسان الصانع لتاريخه لا مرّةَ واحدةً بل مرتين: الأولى: باستضافة شهداء 6 أيار عام 1916، والثانية: بالمعركة الأخطر على حياة سلطان الأطرش مع الفرنسيين عام 1926، وهذا حديثٌ آخر..

الصوخر؛ خربةٌ في ريف السويداء الجنوبي، على مسافة حوالي 1,5 كم جنوب قرية حوط، ومثلها إلى الشرق من قرية بكّا. في أرضها تجويفٌ أشبه بسردابٍ في قلب حكاية، هو نفقٌ طبيعيٌّ وسط أرضٍ وعرة، سكنَه الإنسان القديم كما سكنَ الأنفاق والكهوف الطبيعية المنثورة في كل أنحاء الجبل.

عام 1930 جاءتْ بعثةٌ فرنسيّةٌ إلى الصوخر لاستكشاف مجاهلها، فكان تقريرها أنّه سوى الصخر المقيم، لم تعثر على ميزةٍ أخرى في هذا المكان العجيب.
وكعادة التاريخ النسّاء؛ أغفل لجوء رجالٍ واعدين (شهداء 6 أيار لاحقاً) إلى خربة الصوخر في الجبل، وشطبَ من حيواتهم عاماً ونيّف عاشوه تحت سماء الجبل، تنسّموا هواءه واستقوا ماءه واستظلّوا بسقوف مغاوره الصخريّة على أمل النجاة من مشانق الأتراك،

وكعادة التاريخ النسّاء؛ رحّل ما بذله أحرارُ الجبل في حمايتهم من الموت إلى مكبّ النسيان، وخان أمانة خبزٍ صنعته نساؤهم مع الدعاءِ والصبرِ على غياب رجالهن عن بيوتهم ليحرسوا الضيوف الرفيعين.

إنما لا تموت حكاياتُ البشر.

حمد المصفي(1)في ديوان الشاعر حمد المصفي ـ قيد الإصدار ـ دُوّنتْ واقعة الصوخر
خطّ المصفي خيبات زمنه العاصي شعراً شعبيّاً صادقاً وراقياً أليماً وحماسيّاً معاً، وفي مقدمة ديوانه سيرةٌ ذاتيّة وجمعية للمكان وأهله، فيها وقائع نادرةٍ وثمينةٍ طالها السهو أو الإهمال فلم تدوّن سابقاً، ربما كانت تنتظر الإنصاف من ذاكرة المصفي النادرة..
وأنا، نجاة عبد الصمد، ليس لي منها سوى صياغتها بما أرجو أن يليق
 واحدٌ من الذين أفنوا سنيناً في تقصّي هذه الواقعةِ/ الحكاية، وشبيهاتها، وحفظ تفاصيلها عن لسان أصحابها ومن الرواة الثقات في جبل العرب.

عام 1908 أسّس مفكرون وعلماءُ وطلابٌ عرب مقيمون في فرنسا جمعيةَ (العربية الفتاة)، وسريعاً استقطبتْ نخبة العالم العربي بدءاً من سوريا ولبنان. جاء تأسيسُها جواباً على جمعية تركيا الفتاة 1905 التي أرادتْ تتريك شعوب السلطنة العثمانية وطمس هويّاتهم الأصيلة. نالتِ العربيّةُ الفتاةُ دعمَ وتشجيع الفرنسيين، بينما شعر زعماؤهم بخطرها عليهم مستقبلاً، فقد كانت عيونهم على سوريا/ حصّتهم الفضلى من اتفاق (سايكس بيكو).

كانت الحرب العالمية الأولى على الأبواب حين أعطى ساسةُ فرنسا أسماءَ نشطاء جمعيّة العربية الفتاة إلى الأتراك، وضربوا بذلك عصفورّين بحجرٍ واحد: أوقعوا الفتنه بين الأتراك والعرب وتخلّصوا، بذكاءٍ الدُّهاة وبكفٍّ نظيفةٍ ظاهراً، من مناوئي مستقبل فرنسا في سوريا ولبنان.
وطاردت السلطاتُ العثمانية زعماءَ العربية الفتاة بقصد خنقِهم في دمشق، واتّفق مجلسُ قيادة الجمعية على إيوائهم في بيت الشاب والناشط المتحمس صابر المغوش في قرية خلخلة في السويداء، (صابر المغوش هو أوّل أبناء الجبل الذين انتسبوا إلى الجمعيّة)، وهكذا كان.

مضتْ أسابيع وبدأ الأتراك بملاحقتهم في خلخلة في اللجاة. لكنّ اللجاة التي أسماها أحدٌ قادة فرنسا لاحقاً: “قلعة الله” أخفتْهم في مجاهلها ستة شهور، يسندهم أهالي خلخلة الذين احتملوا بسبب ذلك تضييق الأتراك عليهم وملاحقتهم والعسف بهم.

كان ذلك عام 1915، وقد بدأ نجم سلطان الأطرش يلمع كزعيمٍ ينادي للتحرر من سلطة الأتراك، فقد كان له في ذمّتهم ثأرٌ وطنيٌّ انضاف إليه الشخصيّ بعد أن شنقَ الأتراكُ والدَه (الشهيد ذوقان الأطرش) ونخبةً من زعماء الجبل في 8 آذار 1911.

ركبَ سلطان الأطرش وحمد البربور وهلال النبواني خيولهم إلى صابر المغوّش في خلخلة، ولاقاهم إليها وفدُ خيّالةٍ من (المقرن الشرقيّ) يتقدّمه محمد نصار. جاؤوا ليؤازروا المغوّش، وليستأذنوه بنقل الضيوف إلى (المقرن القبليّ) لضمان أمنهم وتخفيف العبء عن مضيفهم وأهل بلدته. وهكذا أوكل سلطان الأطرش إلى حمد البربور (ساعده الأيمن، ذي الحنكة والباع الطويل في الشدائد) أمرَ نقل رجال العربية الفتاة عبر طريقٍ التفافيٍّ، وعلى دفعات، إلى قرية سالي في المقرن الشرقيّ ريثما يهيّئ بنفسه المكان الذي اختاره لإقامتهم بعد التشاور مع ذوي الرأي: وكان (خربة الصوخر)، فهذي الخربة تتوسّط قرىً كثيرةً يمكنها أن تقاتل وتصمد ريثما يستنفر باقي الجبل فيما لو داهمها الأتراك.
وتكفّل حمد البربور بالتفاصيل: استدعى الفارس البدويّ الشجاع “متعب السردي” لينزل مع أفراد عشيرته في الصوخر ويهتمّ بإطعام الضيوف ورفاههم الممكن والدفاع الأكيد عنهم إن هوجموا. بعدها استثمر حمد البربور وهلال النبواني زفافَ عروسٍ من قرية سالي إلى أمّ الرمّان، كانت التقاليد تقضي أن تنام الفاردة (الوفد الذاهب لجلب العروس) في بلدة العروس وتعود بها في اليوم التالي. تعمّد حمد البربور أن يكسر التقاليد، استأذن أهل العروس أنّ عددهم كبيرٌ ولا يسعهم المبيت وسوف يأخذون عروسهم في المساء نفسه. عادوا في أول الليل وسار الفرسان والضيوف في آخر الفاردة حتى وصلوا نفق الصوخر بسلام.
في الصوخر أيضاً وزّع حمد البربور نخبةً من فرسان القرى على أنهم صيّادون يعزبون حول الخربة. أيامها تندّر أهلُ القريّا على سلطان الأطرش: (أينما ضيّعتَه تجدْه يصطاد في الصوخر).
بعد أسابيع نقل الوشاة إلى الأتراك خبر الرجال، وبالمقابل أوصى أحدُ وطنيّي بُصرى سلطان أن يحترز، فجيش الأتراك قادمٌ إليهم. دعا سلطان لاجتماعٍ عاجل في بيت الأمير حسين الأطرش في قرية عنز ليخيّر العقلاءَ بين أمرين أحلاهما مرّ: إما مواجهة جيش الأتراك بالسلاح، وخوض معركةٍ تفتقر إلى الحدّ الأدنى من التكافؤ، (لم تكن مضت سوى سنواتٍ قليله على ثورة الدروز الخاسرة ضد سامي باشا ولا يزال الجبل من بعدها منهكاً)، وإمّا إجلاءُ المستجيرين بحماهم إلى مخبأٍ آخر. اختار العقلاء الممكن لا المستحيل، أوفدوا حمد البربور ليرافق الضيوف على وجه السرعة إلى المقرن الشرقي وأشاعوا بين الناس أنهم غادروا إلى الأردن.

بعد ثلاثة شهورٍ كشف الأتراك مكانهم الجديد، وعرف الشهابي (مدير ناحية ملح الذي كان على اتصالٍ سريّ بالوطنييّن في الجبل) أنّ قواتٍ حكوميّةً تتجمّع في صلخد لمداهمة الضيوف. أرسل الشهابي آذن مديريته إلى امتان ليطلب من حسن صياغة (عديل الآذن) أن يذهب إلى قرية أبو زريق. في الصباح التالي وصل حسن إلى أبو زريق وأنذرهم، وأثناء رجوعه صادف القوة المداهمة في طريقها إليهم، بينما كان الرجال غادروا مخبأهم منذ ساعاتٍ فقط إلى وادي الشامي المعروف باسم (مكنع راعي المليحة).

أدرك نشطاء العربية الفتاة بعد انتقالهم الأخير أنّهم لن يستطيعوا البقاء متخفّين إلى الأبد، فطلبوا من قياداتهم مساعدتهم على نقلهم إلى الحجاز، بعيداً عن مطال الأتراك.
وتدبّر سلطان الأطرش ورجاله نقلهم إلى كهفٍ جنوب قرية أم الرمّان ثم أمّنوا لهم الطريق إلى محطة القطار في الأردن الذي سيُسافرون فيه إلى الحجاز، فالوصول إليها مشياً على الأقدام يُعرّضهم للأذى أو السطو من أعراب البادية. لكنهم اعتُقلوا أثناء ركوب القطار، فقد رآهم دركيٌّ في محطة معان واشتبه بهم وأخبر رئيسه الذي اكتشف بعد التحقيق أنهم المطلوبون الأخطر للسلطة، فأرسلهم مخفورين إلى دمشق.
والباقي وصل إلينا من صورهم معلّقين على مشانق المرجة عام 1916، صبيحة السادس من أيار،
عندما أنشد عبد الغني العريسي لحظة اعتلائه منصّة الإعدام:

نحن أبناء الأُلى
      شادوا مجداً وعُلا

المراجع   [ + ]

1.في ديوان الشاعر حمد المصفي ـ قيد الإصدار ـ دُوّنتْ واقعة الصوخر
خطّ المصفي خيبات زمنه العاصي شعراً شعبيّاً صادقاً وراقياً أليماً وحماسيّاً معاً، وفي مقدمة ديوانه سيرةٌ ذاتيّة وجمعية للمكان وأهله، فيها وقائع نادرةٍ وثمينةٍ طالها السهو أو الإهمال فلم تدوّن سابقاً، ربما كانت تنتظر الإنصاف من ذاكرة المصفي النادرة..
وأنا، نجاة عبد الصمد، ليس لي منها سوى صياغتها بما أرجو أن يليق

عن نجاة عبد الصمد

نجاة عبد الصمد

طبيبة جراحة وكاتبة. صدر لها في الترجمة عن الروسية: مذكرات طبيب شاب (قصص). الشباب جسد وروح (كتاب طاولة). بلاد المنافي (رواية). غورنيكات سورية (مرويات).