الصفحة الرئيسية / تجريب / لا أحد يعرفني

لا أحد يعرفني

الصورة: مطبوعة لكيكي سميث

(المُلحَق) اسم شعبتنا في الصّف الثّالث الإبتدائيّ، كان بناءًا قديمًا من عدّة غرفٍ تفصله باحةٌ كبيرةٌ عن الهيكل الرئيسيّ الحديث للمدرسة، حيث كان البرد يتسرَّبُ إلينا من كلَّ الشّقوق بينما المدفأة مُحتَكرة، والضوء الضعيف المتراقص يكاد يختفي كلّما دوى الرّعد خارجًا. كان على معلمتنا نوال استعارة جميع مستلزمات التعليم من الصّفوف المجاورة، بما في ذلك المسطرة الخشبيّة المخصّصة للعقوبات.
يومًا، كان مزاجها سيئًا لدرجة أنّها لم تصبر حتى يأتيها الطالب بالعصا فبدأت بالصراخ بعدما اكتشفت نسياني كتابة الوظيفة، وراحت تَشُّدُّ شعري كلّما عجز صراخها عن تفريغ غضبها، غير مكترثةٍ لقيام ابنها الصّغير بالسّطو على عروسة الزَّعتز الوحيدة في حقيبتي.
أيستحقُ نسيان الواجب كلَّ هذا العنف؟. أتساءلُ ململمةٍ ماتبعثر من نفسي ثمَّ أتصنَّعُ بأنَّ الأمر لا يعنيني وأدفن وجهيّ بذراعي، كطريقةٍ وحيدةٍ لهروبٍ مؤقتٍ بعيدًا عن الألم.

بعد مرور أربعة عشر عامًا، عقب وصولي من السَّفر بأيّامٍ التقيتها مجددًا، كنتُ واثقةً بأني غيبتها تمامًا كأنّها لم تكن، يومها فاجأتني بلا هويّة.
ولأن جميع من أَتَو لرؤيتي بعد الغياب يعرفون ذلك قالوا: إيّاكِ أن تنسي استخراج الهويَّة!
.ولأني سوريّةٌ ومعجونةٌ بفوبيا الهويّة، مثلهم، ذهبتُ لاستخراجها.
كان اللقاء شبيهًا بحلمٍ غامق، الشَّارع خالٍ تمامًا والمعلّمة نوال على الجهة المقابلة تخطو نحوي بخطواتٍ ثقيلةٍ، لم يتغير شكلها أو ربَّما لم ألحظ تبدُّله وكأنَّ ذاكرتي علقت هناك حيث كانت تقف أمامي مباشرةً، بوجهها الغاضب وبطنها المنتفخة جرَّاء الحمل، تلهث بصوتٍ مسموعٍ في اجتهادها لكي تُشعرني بالحرج كلَّما عجزتُ عن حلِّ تمرينٍ تبخَّر جوابه من رأسي في المسافة بين مقعدي واللّوح الأخضر. كان بسيطًا وحلٌ ما لمع في ذهني، لكنَّ وجودها كان كفيلًا بأن يسرقني المحاولة، فيكفيني تَخيّلُ يدها تمتدُّ إلى وجهي لأتراجع.
كيف لمرأةٍ تحمل ملاكًا داخلها أن تمتلك كلَّ ذاك اللؤم؟. لم أستوعب ذلك، واكتفيتُ بتجنُّب ابنها الصغير كلّما أفرغ حقيبتي على الأرض ليضع ألعابه داخلها.
يومًا، في حديثٍ للذّكريات، بحتُ للسّيدة التي تعمل معي عنها فقالت بأنَّ معلّمتها كانت تُجبرها على الركوع فوق لوحٍ من الخشب ثُبتت عليه أغطيةُ عُلَبِ البيرة المعدنية بشكلٍ مقلوب، حيث تبقى لساعةٍ كاملة، كشفت عن ركبتيها، آثار المعدن لازالت على الجلد أشبه بتلك التي تُخلّفها مخالب قطٍ غاضب. (غوديليا) هي إمرأةٌ من البيرو، طيبةٌ ونشيطةٌ، قصيرة القامة بشعرٍ أسودٍ وعينين غائرتين، تعمل حاليًا بثلاثة وظائف وتبلغ واحدًا وخمسين عامًا.

كان الطقس باردًا يومها، بثيابٍ سميكةٍ ومعطفٍ طويلٍ أسود وشالٍ على العنق كشف وجهي الشَّاحب تنقلتُ بلباس الحداد الكامل، كانوا قد أخبروني بمكالمةٍ هاتفيّةٍ بأنَّ والدي قد توفيَّ إثر “حادثٍ أليم”، لم أصدِّقهم تمامًا فقد تركته حيًّا في السَّابعة عشر، لا بدَّ أنَّه في مكانٍ ما، سأعترفُ بأنّي حلمتُ قبل وفاته بأيامٍ قليلةٍ بأنَّ مأتما حلَّ في البيت، لم أقصده، لم أقصد أحدًا، مجرَّد حُلم، لكنَّ الأحلام قاتلةٌ أحيانًا.
الخطوات القليلة المتبقّية بيننا كشفت نظراتها العارية تبحثُ عن اسمٍ لي بين وجوه طلابها الكثر، بينما رمقتُها بثباتِ نظرة من يعرفها جيدًا، وانتابني مزيجٌ من مشاعر الخوف والغضب، ورغبةٌ عارمةٌ بإيقافها وتعريفها بنفسي، والبوح بكلِّ ما كَنَنتُهُ لها، لكنّي لم أجرؤ .
لحظة يتجسد الماضي أمامنا فجأةً لا تصرفٌ واضح ولا كلمات انتظارٌ بلا حواس.
وكخرساءٍ تحاول الصراخ، سألتها :
– ألم تتعرَّفي علي؟
– لا من أنتِ؟
– حسنًا نعم لقد تغيرتُ كثيرًا لم أعد تلك الفتاة الهزيلة بشعرها القصير ونظرتها المكسورة.
– كنتِ احدى طالباتي إذن! لقد تقاعدتُ منذ زمن، أتذكرين في أيِّ سنة ؟
– في سنة حملك بابنتك الخامسة، في الوقت الذي مرَّ كأنَّه سجادٌ مليئٌ بإبرٍ حادّة، في الخوف الذي شبح وجوهنا، في الجوع الذي تغلّبنا عليه واحدًا تلو الآخر كي تشبعي ابنك الفاسد الصَّغير!
أجل.. لن تتذكري، كنَّا جيلًا كاملًا !

لكن لا بأس، فلستِ الوحيدة، كثيرون هم الذين لا يعرفونني هنا، قريبتنا التي كانت تُلمّحُ لأمي بأنَّها تنتظر الرّبيع في بيتنا لتزوّج ابنها الوحيد، ضيفُ الجيران الغريب الذي اعتاد تلطيش بنات الضّيعة، أمي التي توّجتني أميرة السّراب، إخوتي اللّذين أعرفهم بقدر ما أعرف أولادي لكنَّهم لم ينتبهوا، أبي الذي رحل دون استئذان، كما فعلتُ، أولئك الذين لم يروا فيَّ سوى شكلي..
لكن لا يهم، ما دمتُ أعرف الجميع.. أعرفهم جيدًا.

 

عن أمل فارس

أمل فارس

كاتبة من سوريا مقيمة في فنزويلا.